الغايات الجوهرية لإحياء عاشوراء

الغايات الجوهرية لإحياء عاشوراء
إن إحياء المناسبات الدينية، خاصة ذكرى عاشوراء وثورة الإمام الحسين (ع)، يجب أن يتجاوز المظاهر العاطفية السطحية ليصل إلى تحقيق أهداف روحية وفكرية وسياسية عميقة، تتمثل في صقل الوعي، وإصلاح الحكومات، وكشف أعداء الأهداف الحقيقية، والارتباط بقيادة إلهية ضامنة، وتحديد وظائف استراتيجية تحقق غايات القرآن ...

إن إحياء المناسبات الدينية بمختلف صورها، سواء كانت ناتجة عن أحداث مأساوية كاستشهاد الإمام علي بن أبي طالب، والإمام حسين بن علي عليهما السلام وغيرهما، أو أحداث سعيدة كالمولد النبوي الشريف ويوم الغدير، يُعدّ من الأسس الراسخة في التوجيه الرباني، كما ورد في القرآن الكريم بقوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ)[سورة إبراهيم، الآية 6]و(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)[الزخرف44] ليبقى الإنسان مرتبطًا بالآيات والأحداث التي مرّت، فيتّعظ بها، ويحوّلها إلى دروس يستلهم منها منهجية حياة يمضي بها في مسيرته الحياتية، في صراعه ضد الباطل.، وما القصص في القرآن الكريم إلا دروس يُستلخص منها قوانين حياة توجه البشرية فمَن زاغ عنها هلك، كما هلك الهالكون من الطغاة والمعاندين والفجّار، ومَن ارتبط بها نجا، كما نجا الذين أدركوا الفتح مع الأنبياء والأولياء فسنّة الله في الأرض جارية، ولن تجد لها تبديلاً.

غير أنّ هذا الإحياء لا ينبغي أن يُختزل في الطقوس والمظاهر العاطفية فحسب، بل يتعدّاها إلى أبعاد أكثر عمقًا، وفي هذا السياق، يُستشهد بمقولة السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه): “العاطفة وحدها ليست ضمانًا لإثبات أن هذا صاحب العاطفة لا يقف موقفًا يقتل فيه الإمام الحسين عليه السلام “.

إذ إن الإحياء الحقيقي يحمل في جوهره أهدافًا روحية، وسياسية، وفكرية، تعكس عمق الرسالة الحسينية وأثرها في مقاومة الظلم، وترسيخ قيم الإصلاح والمبادئ. ويمكن تحديد أبرز تلك الغايات بالنقاط الآتية:

  1. صقل الوعي والبصيرة: إن الإمام الحسين عليه السلام يمثل الإيمان الواعي، وكربلاء تمثل معدن البصيرة ومنبع الوعي، لذا يجب الولوج إلى معاني عاشوراء من خلال نافذة الوعي، لفهم غايات وأهداف الثورة الحسينية، بعيدًا عن تفاعل موسمي سطحي تنتهي اثارها بانتهاء الموسم.

فمن أبرز وظائف الدين أنه حاضنة لصقل الإدراك والعقل، وضابط لهيجان العاطفة، من خلال معايير شرعية، وعند التأمل في مسيرة التاريخ، نجد أن جوهر المشكلة لدى غالبية الأمم لا يكمن في غياب العاطفة عن الفكر، بل استحواذ العاطفة على الفكر، اي استحواذ العَبرة على العبرة، عندها تستبدل الهدف بالوسيلة والنتيجة بالمقدمات، لذا نجد أن الله سبحانه وتعالى يأمر بالعدل – أي بالعقل والمنطق – قبل الإحسان، لأن العدل يُجسّد العلاقات، بينما الإحسان يُلطّف مقتضياتها.

إن من لا يعي غاية إحياء عاشوراء، لا يمكنه أن يتحمّل مسؤولية تحقيق أهداف الثورة الحسينية؛ ببساطة قد يفتقد خط الأمان الفكري مع غرقه في بحر الشعائروهذا ما جرى مع عمر بن سعد الذي كان يبكي على الحسين (عليه السلام) عندما يقتله، بعبارة أخرى تتجسد هذه الحالة مع كل من أشار اليهم الشاعر فرزدق عندما قال: ان القوم قلوبهم معك (عاطفتهم) وسيوفهم عليك (فكرهم وموقفهم ضدك).

فالمعرفة الواعية والإيمان العملي بالهدف شرط أساس لتحمل المسؤولية، فالحسين (عليه السلام) لم يكن يبحث عن كثرة المتعاطفين ولا التجنيد الألزامي، ففي ليلة العاشر من المحرم قال لاصحابه:    و هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً،

أي لم يكن يرغب بأن يبقى في معسكره الا من كان واعيا لأهداف وليه ومدركا لمسؤولياته بعيدا عن ركوب موجة العاطفة. 

  1. إصلاح الحكومات: من أولويات المشروع الحسيني القدرة على تحويل المبادئ إلى حركة إصلاحية عملية، وبتحليل ثورته عليه السلام، يتبيّن أن محورها الرئيس هو إصلاح الحكم والنظام، لأن الحكومات هي التي ترسم مصير المجتمعات، وتفسّر الدين وتشكّل الثقافة وفق مصالحها، ومن هنا، فإن تغيير الأنظمة الفاسدة يُعدّ شرطًا لبناء مجتمع عادل ، وفي لغتنا العصرية ، يمكن القول ان الحسين (عليه السلام) قام بواجبه الدستوري ( القراني) عندما قامت الحكومات بخرق بنود دستور الدولة الإسلامية والذي هو القران ، فالاصلاح الحسيني اصلاح لمسار الدولة الإسلامية ومسيرة الحكومة الإسلامية التي أسسها النبي الاكرم ( صلى الله عليه واله وسلم) وفقا لايات القران بعد ان خرقها من تصدوا لقيادة الأمة ، فاصبح هناك خلل واضح في تطبيق بنود القران اياته من قبل امة رسول الله رعاة و رعية كان هذا واضحا في كلام الحسين (عليه السلام ) عندما قال : انما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.
  2. كشف عدو الأهداف: إن امتلاك بصيرة كاشفة لمن يعادي أهداف النهضة الحسينية يحول دون الانخداع بالدعايات والأساليب المضلّلة، لأن بعض مدعي الإصلاح الحسيني، في الحقيقة هم يشكلون عقبة في وجه المصلحين الحقيقيين، لأنهم يشغلون الامة باهداف هامشية ويستنزفون جهدها في ممارسات طقوسية عاطفية بعيدا عن المسائل الوجودية والقضايا الجوهرية، فأن أمثال هولاء يحشدون الأمة باتجاه التغاضي عن التسلط الظالمين والطغاة على رقاب الأمة ويستنفرون لمسائل تتعلق بأمور فردية ظاهرية. فالحسين (عليه السلام) كشف من كان الدين لعق على السنتهم.
  3. تشخيص ومعرفة الدليل إلى إرادة الولي الضامن: يتطلب تحقيق أهداف النهضة الحسينية وفق النموذج الكربلائي المتصدي لقيادة الأمة في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تشخيص دليل الارتباط بوليّ الأمر الضامن، الذي يمثل الامتداد الشرعي لحركة الحسين (عليه السلام)، فالمشروع الحسيني لا يكتمل دون قيادة إلهية حاضنة، تُصنع في ظلّها علامات الظهور، ويُسعى عبرها لرفع أسباب الغَيبة وتعجيل الفرج، ورفع الظلم عن كل مستضعف، إن الأمة تحت ظلال هذا الولي تصنع الفرج وتخرج من حالة الضعف والأنين نحو الوعي والفعل.
  4. تحديد الوظائف الإحيائية الاستراتيجية: إن من وظائف الإحياء الحسيني الأساسية فهم حركة الصراع الحضاري وتحقيق أهداف القرآن الكريم، الذي يشكل شريان الحركة الحسينية، فالحسين (عليه السلام) سكب دمه وروحه من أجل إحياء أهداف القرآن وأركان الإسلام، وهذه الأهداف لم تتحقق بعد، ومن واجب الأمة السعي لتحقيقها من خلال البصائر القرآنية التي توجه عقل الإنسان وفكره، وتُرشّد سلوكه ومواقفه وعلاقاته ضمن مشروع إصلاحي شامل ، وان صراع الحسين مع يزيد وان كانت مستمرة ، الا انها تأخذ اشكالا مختلفة وطرق احياءها ، يجب ان يواكب عجلة الزمن . اليوم الصراع العسكري بين معسكر الحسين ومعسكر يزيد ليست مواجهة بالسيوف، انما صراع صواريخ ومسيرات، وان معدات المعركة الإعلامية، لم تعد رسائل تحمل على ظهر الخيل والإبل، وانما عبارة عن فضائيات وتكنولوجيا المعلومات، وان أي تأخر عن ركب الحضارة في احياء عاشوراء، تجعل الأمة تعيش في أدوات لاتتناسب مع حجم الصراع.

6.عاشوراء كمؤتمر لزيادة الوعي السياسي: ان من وقف في وجه الحسين (عليه السلام) يضربه بسيفه، كان يعتقد ان الحسين (عليه السلام) خرج عن سياسة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وانه ابن علي الذي (لايصلي) وفي ظل هذا التشويه المتعمد ن فان أيام عاشوراء فرصة ذهبية او مؤتمر لتصحيح الاذهان الإسلامية من الأفكار الاموية والقيود الطقوسية. وخروج الأمة بموقف حسيني مسؤول.

نستخلص مما تقدم ،ان احياء عاشوراء  والثورة الحسينية  بمضمونها وليس ظاهرها ولايزال  نهج يزيد وابن زياد قائما  وان الموقف الحسيني الحقيقي في هذا الزمن يفرض علينا مواجهة “ابن زياد العصر” المتمثل باسراىيل  وأمريكا وحلفاءها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *