سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ — لِلْمَرَّةِ الَّتِي لَمْ يَعُدْ يَتَذَكَّرُ رَقْمَهَا — فِي قَعْرِ ذَلِكَ الجُبِّ. وَبَيْنَمَا كَانَتِ الأَشْبَاحُ تَتَقَافَزُ فَوْقَ أَقْفِيَةِ المَآذِنِ وَأَجْرَاسِ الكَنَائِسِ، كَانَتِ النِّيرَانُ تَلْتَهِمُ المَدِينَةَ شَارِعًا شَارِعًا. لَا أَحَدَ هُنَاكَ سِوَى رَهْطٍ مِنَ القِرَدَةِ يَنْبِشُ بَبَلادَةٍ شَهِيَّةٍ بَقَايَا الأَجْدَاثِ المُمَزَّقَةِ. أَمَّا هُوَ فَمَا زَالَ يَعْدُو فِي صَالَةِ العَرْضِ المُعْتِمَةِ، يَعْدُو وَيَعْدُو، وَلَا بَابَ يُفْضِي لِلْخُرُوج. المشهد (2) خَلْفَ ظِلِّهِ كَانَتِ السَّعَالِي تَجُوبُ الطُّرُقَاتِ وَتَلْعَقُ وُجُوهَ المُشَاهِدِينَ المُسَمَّرِينَ كَالأَلْوَاحِ عَلَى جُدْرَانِ الصَّمْت. اقْتَرَبَتِ الكَامِيرَا بِبُطْءٍ مِنْ رَأْسِ أَحَدِهِمْ— ذَلِكَ الَّذِي قُتِلَ مُنْذُ حَرْبَيْنِ، وَمَا زَالَ يَنْزِفُ دَمًا. اخْتَلَطَ عَلَيْهِ الأَمْرُ مَا بَيْنَ رَأْسِ دِنْكَنْ* الرَّحِيمِ وَرَأْسِ يَحْيَى المِعْمَدَانِ، حِينَ تَعَرَّتِ المَوْمِسُ فِي وَسَطِ المَشْهَد، وَانْشَغَلَ كَادِرُ العَمَلِ بِإِذْكَاءِ النِّيرَانِ فِي السَّتَائِرِ. عِنْدَهَا لَمْ يَعُدْ يَرَى شَيْئًا. حِينَ غَمَرَ الدُّخَانُ صَالَةَ العَرْضِ المُعْتِمَةَ— وَلَا بَابَ يُفْضِي لِلْخُرُوج. الهوامش * الملك دِنْكَنْ: الملك الرحيم الذي يقتله ماكبث في مسرحية ماكبث لِـ ويليام شكسبير. * النبي يحيى (ع): في إشارة إلى قصة مقتله الشهيرة وقطع رأسه. رؤيا نقدية بعينٍ أخرى،!؟ ***** «لا باب يفضي للخروج» بوصفه نصاً شعرياً ذا طبيعة درامية–سردية–سوريالية، لأن بنيته لا تتحرك في إطار القصيدة التقليدية، بل في فضاء المشهد المسرحي واللقطة السينمائية.
أولاً: العنوان وبنية المفارقة العنوان «لَا بَابَ يُفْضِي لِلْخُرُوج» يشتغل منذ البداية كـ مفتاح تأويلي للنص كله. هو عنوان يقوم على مفارقة وجودية واضحة: الباب رمز الخلاص والانتقال بينما النفي «لا» يحوّله إلى مجاز للانسداد الوجودي وبذلك يضع القارئ منذ البداية داخل متاهة مغلقة تشبه عالم مسرحية No Exit حيث يتحول المكان إلى مصير مغلق.
ثانياً: البنية المشهدية النص مبني على تقنية المشاهد: المشهد (1) المشهد (2) وهذا يعكس تأثير السينما والمسرح في الكتابة. المشهد هنا لا يُروى بل يُعرض، ولذلك نجد: حركة كاميرا فضاء بصري انتقالات لقطوية مثل: اقتربت الكاميرا ببطء وهذا يكشف أن النص يعمل وفق لغة بصرية أكثر منها لغوية.
ثالثاً: المشهد الأول — كارثة كونية يفتتح النص بصورة السقوط: سقط مغشياً عليه في قعر ذلك الجب الجب هنا ليس مجرد مكان، بل استعارة عميقة للهاوية التاريخية أو الحضارية. ثم تتوالى صور الخراب: أشباح مدينة تحترق قبور منتهكة قرود تنبش الأجداث هذه الصورة الأخيرة من أقسى الصور في النص: رهط من القردة ينبش ببلادة شهية بقايا الأجداث وهي تحمل دلالتين محتملتين: سقوط الإنسان إلى الحيوانية أو سخرية سوداء من الحضارة التي تأكل موتاها وهي صورة قريبة من النزعة التعبيرية السوداء.
رابعاً: الركض داخل صالة العرض الصورة الأكثر عمقاً في النص هي: ما زال يعدو في صالة العرض المعتمة هنا يتحول العالم إلى سينما كبرى. والإنسان داخلها: متفرج ممثل ضحية في الوقت نفسه. وعدم وجود باب للخروج يعني أن العرض هو الحياة نفسها.
خامساً: المشهد الثاني — كابوس التاريخ يتصاعد النص أكثر في المشهد الثاني. نجد كائنات أسطورية: السعالي تجوب الطرقات السعالي في المخيال العربي رمز: التضليل الضياع التيه ثم تظهر صورة رهيبة: المشاهدين المسمّرين كالألواح على جدران الصمت أي أن الجمهور ميت أو عاجز. إنهم يشاهدون الكارثة لكنهم لا يتحركون.
سادساً: تداخل الرموز التاريخية والدينية أحد أجمل مفاصل النص هو التوازي بين رأسين: رأس الملك King Duncan من مسرحية Macbeth رأس النبي John the Baptist وهذا التوازي ليس اعتباطياً. كلاهما يمثل البراءة المغدورة. لكن الخلط بين الرأسين يدل على اختلاط القيم في زمن الفوضى. سابعاً: صورة المومس حين تعرّت المومس في وسط المشهد هذه الصورة ليست جسدية بقدر ما هي رمزية. فهي تمثل: انكشاف القيم سقوط الأخلاق أو ربما تعرية الحقيقة وسط الخراب.
ثامناً: احتراق الستائر انشغل كادر العمل بإذكاء النيران في الستائر هذه صورة ساخرة جداً. لأن الكارثة هنا مصنوعة. الذين يفترض أن يديروا العرض يشعلون النار فيه. وهذا يفتح باب القراءة السياسية للنص. تاسعاً: الدخان — نهاية الرؤية ينتهي النص بصورة: لم يعد يرى شيئاً حين غمر الدخان صالة العرض الدخان هنا يؤدي دوراً رمزياً: حجب الحقيقة ضياع البصيرة نهاية الإدراك ويعود العنوان مرة أخرى: ولا باب يفضي للخروج ليغلق النص على دائرة وجودية كاملة. عاشراً: السمات الأسلوبية للنص يمكن تلخيص خصائص النص في: 1. السينمائية وجود: كاميرا مشاهد حركة 2. السريالية السوداء الصور مثل: الأشباح السعالي القرود الناهشة للقبور 3. التناص الثقافي مع: شكسبير التراث الديني 4. الاقتصاد اللغوي الجمل القصيرة المتقطعة تعطي النص إيقاعاً بصرياً متوتراً. خلاصة القراءة النص في جوهره رؤيا شعرية عن العالم بوصفه عرضاً كارثياً: التاريخ فيه يكرر جرائمه الجمهور صامت الكارثة مصنوعة والإنسان يركض داخل المشهد لكن: لا باب يفضي للخروج.


