كيف خسرت أميركا إيران… وكيف خسرت إيران أميركا؟ ودور إسرائيل في تعقيد العلاقة بينهما

كيف خسرت أميركا إيران… وكيف خسرت إيران أميركا؟ ودور إسرائيل في تعقيد العلاقة بينهما
العلاقة بين إيران والولايات المتحدة تحولت من إمكانية تعاون إلى صراع طويل الأمد، مدفوعاً بالانقلابات، الثورة، الحروب، العقوبات، ودور إسرائيل، مما أسس لذاكرة عدائية متراكمة تعقد أي جهود مستقبلية للتقارب أو الثقة المتبادلة....

ليست العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خصومة سياسية عادية بين دولتين، بل هي واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر. والمفارقة أن هذه العلاقة لم تكن في بدايتها علاقة عداء، بل كانت تحتوي على إمكانات واسعة للتقارب والتعاون. غير أن سلسلة من القرارات السياسية والتحولات الاستراتيجية المتبادلة حولتها تدريجياً إلى صراع طويل الأمد. ومن هنا يبرز السؤال المزدوج: كيف خسرت أميركا إيران، وكيف خسرت إيران أميركا؟ وأين يقع دور إسرائيل في هذه العلاقة المعقدة؟

في النصف الأول من القرن العشرين لم تكن الولايات المتحدة ينظر إليها في إيران بوصفها قوة استعمارية كما كانت الحال مع بريطانيا وروسيا. بل إن كثيراً من الإيرانيين كانوا يرون فيها قوة بعيدة نسبياً عن التنافس الاستعماري التقليدي في المنطقة. غير أن هذه الصورة بدأت تتغير بصورة حاسمة بعد انقلاب عام 1953 الذي أطاح بحكومة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق. فقد شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا في دعم هذا الانقلاب بعد أن قرر مصدق تأميم النفط الإيراني. ومنذ ذلك الحدث بدأ يتكون في الوعي السياسي الإيراني شعور عميق بأن واشنطن مستعدة للتدخل المباشر في مصير إيران من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية.

بعد ذلك أصبح الشاه محمد رضا بهلوي حليفاً أساسياً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد وفّر هذا التحالف لإيران دعماً عسكرياً واقتصادياً واسعاً، لكنه في الوقت نفسه عمّق الانطباع داخل قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني بأن النظام السياسي مرتبط بالسياسة الأميركية. وعندما اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979 كانت مشاعر العداء للولايات المتحدة قد أصبحت جزءاً من الخطاب السياسي للقوى الثورية.

ثم جاءت أزمة احتلال السفارة الأميركية في طهران لتشكل لحظة القطيعة الكبرى. فقد أدت تلك الأزمة إلى انهيار كامل في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وترسخت منذ ذلك الوقت صورة الولايات المتحدة في الخطاب الإيراني بوصفها الخصم الرئيسي للنظام الجديد. وفي المقابل أصبحت إيران في نظر واشنطن دولة معادية تسعى إلى تحدي نفوذها في الشرق الأوسط.

تفاقم هذا الصراع خلال الحرب العراقية–الإيرانية في الثمانينيات، حين وقفت الولايات المتحدة عملياً إلى جانب العراق سياسياً واستراتيجياً. وقد عزز هذا الموقف القناعة لدى القيادة الإيرانية بأن واشنطن لا تريد لإيران أن تتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة.

لكن الحديث عن هذه العلاقة المعقدة لا يمكن أن يتجاهل دور إسرائيل، الذي يشكل أحد العوامل الرئيسية في تعقيدها. فقبل الثورة الإيرانية كانت إيران الشاه أحد الحلفاء غير المعلنين لإسرائيل في المنطقة. وكانت العلاقات بين الطرفين تشمل تعاوناً أمنياً واقتصادياً واسعاً. غير أن الثورة الإيرانية قلبت هذه المعادلة بالكامل. فقد تبنت القيادة الإيرانية الجديدة موقفاً سياسياً معادياً لإسرائيل، واعتبرت دعم القضية الفلسطينية جزءاً من هويتها السياسية الجديدة.

منذ ذلك الوقت أصبحت إسرائيل تنظر إلى إيران بوصفها التهديد الاستراتيجي الأكبر لأمنها في الشرق الأوسط. وفي المقابل ترى إيران في إسرائيل امتداداً للنفوذ الأميركي في المنطقة. وهكذا دخلت العلاقة بين واشنطن وطهران في مثلث صراع معقد تشكل فيه إسرائيل طرفاً أساسياً، سواء من خلال تأثيرها في السياسات الأميركية في الشرق الأوسط أو من خلال الصراع المباشر وغير المباشر بينها وبين إيران في عدة ساحات إقليمية.

ومع مرور الوقت تراكمت العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعمليات الأمنية المتبادلة، مما أدى إلى تكريس حالة من العداء المستمر. ومع كل أزمة جديدة يتعمق ما يمكن تسميته الذاكرة العدائية المتبادلة بين الطرفين، وهي ذاكرة تجعل أي محاولة للتقارب محفوفة بالشكوك المتبادلة.

وهكذا يمكن القول إن الولايات المتحدة خسرت إيران بوصفها دولة كبيرة ذات موقع استراتيجي مهم في قلب آسيا الغربية، في حين خسرت إيران أيضاً إمكانية إقامة علاقة طبيعية مع القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر في العالم. وبين هذين المسارين المتوازيين لعب العامل الإسرائيلي دوراً إضافياً في تعقيد المشهد، إذ أصبح الصراع الإيراني–الإسرائيلي أحد المفاتيح الأساسية لفهم التوتر الدائم بين طهران وواشنطن.

إن ما حدث بين الولايات المتحدة وإيران خلال العقود الماضية يوضح كيف يمكن لسوء الفهم الاستراتيجي المتبادل، عندما يتراكم عبر الزمن، أن يتحول إلى بنية صراع شبه دائمة. ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من خسر من في هذه العلاقة؟ بل ربما الأهم من ذلك هو: هل يمكن في المستقبل كسر هذا الإرث الثقيل من عدم الثقة، أم أن العلاقة بين واشنطن وطهران ستظل واحدة من أعقد عقد السياسة الدولية في الشرق الأوسط؟

غير أن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بتاريخ الصراع، بل بمستقبله أيضاً. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد مجرد خلاف بين دولتين، بل تحولت مع مرور الزمن إلى إحدى العقد الأساسية في النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط. وقد أصبح هذا الصراع يغذي نفسه بنفسه عبر دوامة من الشكوك المتبادلة والذاكرة العدائية المتراكمة.

وبين هذين المسارين لعب العامل الإسرائيلي دوراً مهماً في تعقيد المعادلة، إذ أصبح الصراع الإيراني–الإسرائيلي أحد المحركات الأساسية للتوتر بين طهران وواشنطن.

لكن التاريخ يعلمنا أن العلاقات الدولية ليست قدراً ثابتاً. فقد شهد العالم تحولات دراماتيكية في علاقات كانت تبدو مستحيلة التغيير، مثل التحول في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في سبعينيات القرن الماضي، أو التحول في العلاقات بين أوروبا الغربية وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي سيواجه الشرق الأوسط في السنوات المقبلة ليس فقط من خسر من في الماضي، بل ما إذا كان المستقبل سيفتح باباً لإعادة التفكير في هذه العلاقة المعقدة، أم أن الشرق الأوسط سيبقى أسيراً لدائرة الصراع التي بدأت قبل أكثر من أربعة عقود وما زالت تتغذى على نفسها حتى اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *