أن القيمة الحقيقية لأي عملية عسكرية لا تكمن فقط في حجم التدمير الذي تُحدثه، بل في قدرتها على إعادة تشكيل الإدراك الاستراتيجي لدى الخصم، وهو ما يسميه توماس شيلينغ (قوة الإكراه عبر التوقع)، حيث يصبح الهدف الأساس هو تغيير حسابات الطرف الآخر حول كلفة الاستمرار في التحدي مقابل كلفة التراجع وفي هذا السياق، فإن نجاح الولايات المتحدة في تحقيق مستوى متقدم من أهدافها خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة من بدء العملية يمثل، من منظور استراتيجي، تحولًا نوعيًا في ميزان الردع النفسي قبل أن يكون تحولًا في ميزان القوة المادية.
فالسرعة هنا لم تكن مجرد عامل عملياتي، بل كانت رسالة استراتيجية مفادها أن القدرة الأمريكية على الوصول إلى عمق المجال الحيوي الإيراني وتنفيذ أهداف عالية القيمة خلال زمن قصير تعني أن إيران تواجه خصمًا يمتلك تفوقًا في زمن القرار العسكري، وهو أحد أهم عناصر التفوق في الحروب الحديثة، إذ أن مثل هذه الضربات لا تستهدف فقط تقويض القدرات العسكرية، بل تهدف إلى إعادة إنتاج الهرمية الأمنية داخل النظام الإقليمي بما يعيد تثبيت موقع القوة المهيمنة.
وبذلك فإن عملية ضري رأس النظام الإيراني والصف الأول من القيادات بضربة خاطفة تحقق هدفين متوازيين: الأول تكتيكي يتعلق بتقويض عناصر محددة من القدرة الإيرانية، والثاني: استراتيجي يتعلق بإعادة تعريف حدود المقبول والمرفوض في سلوك إيران الإقليمي، لإعادة تشكيل البيئة السياسية والتفاوضية، وهو ما يصفه روبرت آرت في نظريته حول (الوظائف السياسية للقوة العسكرية) بأن القوة تُستخدم أحيانًا لتعزيز المساومة وليس لاستبدالها، إذ إن نجاح الإدارة الأمريكية في تنفيذ ضربة سريعة وفعّالة يمنح القيادة السياسية، وخصوصًا الرئيس (دونالد ترامب)، فرصة لإعادة تعريف موقع الولايات المتحدة في معادلة الردع مع إيران، ليس فقط بوصفها قوة قادرة على التهديد، بل بوصفها قوة مستعدة وقادرة على تنفيذ تهديداتها.
هذا التحول من الردع القائم على التصريح إلى الردع القائم على الفعل يعزز ما يسميه ألكسندر جورج دبلوماسية الإكراه، حيث يصبح استخدام القوة المحدودة وسيلة لإقناع الخصم بأن الاستمرار في الرفض سيؤدي إلى كلفة أعلى بكثير من القبول بالتفاوض، ومن هذا المنظور، يستطيع ترامب، إذا اختار وقف التصعيد عند هذه المرحلة، أن يجادل بأنه حقق هدفين متكاملين: الأول استعادة مصداقية الردع الأمريكي، والثاني نقل إيران من موقع التحدي إلى موقع إعادة الحسابات، كما أن تحقيق إنجاز عسكري محدود لكنه ذو أثر رمزي كبير يسمح للقيادة الأمريكية بإعادة صياغة شروط التفاوض من موقع قوة، وهو ما يتسق مع ما يؤكده لورانس فريدمان بأن (القوة العسكرية تكون أكثر فاعلية سياسيًا عندما تُستخدم بشكل محدود ومدروس لدعم أهداف تفاوضية قابلة للتحقيق)، وعليه، فإن الضربة لا تمثل نهاية المسار، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة تُستخدم فيها نتائج العمل العسكري بوصفها رافعة لإنتاج تسوية سياسية بشروط مختلفة جذريًا عما كان ممكنًا قبلها.
إزالة العقبة البنيوية وفتح نافذة التفاوض
أن التحولات الكبرى في قابلية الأطراف للتسوية لا تحدث عادة نتيجة الإقناع التدريجي، بل نتيجة صدمة استراتيجية تعيد تعريف ما هو ممكن وما هو مستحيل، وهو ما صاغه ويليام زمان في مفهوم (لحظة النضج التفاوضي)، حين تصل الأطراف إلى إدراك أن الاستمرار في الصراع أكثر كلفة من التسوية، في الحالة الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية، كانت القيادة الإيرانية نفسها تؤكد أن التفاوض تحت الضغط يمثل تهديدًا للسيادة، إذ صرّح المرشد الإيراني علي خامنئي سابقًا بأن (التفاوض مع أمريكا تحت الضغط ليس تفاوضًا، بل إملاءً)، وهو ما يعكس الطبيعة البنيوية للعقبة التي كانت تعرقل أي تسوية شاملة، في المقابل، طالما ربطت إسرائيل موقفها من أي اتفاق نووي ببنية القيادة الإيرانية نفسها، حيث صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018 بأن (المشكلة ليست فقط في البرنامج النووي، بل في النظام الذي يقوده ويهدد وجودنا) أما في واشنطن، فقد أشار مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق جون بولتون إلى أن (سلوك إيران لا يتغير إلا عندما تواجه تهديدًا حقيقيًا لبنية قوتها)، وعليه فإن أي تغيير جذري في بنية القيادة أو في إدراكها لميزان القوة يمكن أن يفتح اللحظة التي تصبح فيها التسوية ضرورة استراتيجية بدلًا من كونها خيارًا سياسيًا، في هذه اللحظة تحديدًا، لا يصبح التفاوض تعبيرًا عن ضعف، بل أداة لإعادة تموضع الدولة ضمن توازن قوى جديد، وهو ما قد يفسر كيف يمكن لتحول مفاجئ في البيئة القيادية والاستراتيجية أن يُزيل عقبة كانت، حتى وقت قريب، تبدو غير قابلة للإزالة.
من طعن القلب إلى تفكيك الدولة: سيناريو التصعيد الشامل
يُستخدم مفهوم استراتيجية طعن القلب، في الدراسات العسكرية لوصف نمط من العمليات يهدف إلى شلّ قدرة الخصم على اتخاذ القرار عبر استهداف القيادة السياسية/العسكرية ومراكز القيادة والسيطرة، على افتراض أن انهيار القمة سيُفضي إلى انهيار القدرة على الاستمرار في الحرب أو فرض تسوية مفضلة للطرف المهاجم، غير أن هذا السيناريو لا يمكن افتراض تحققه في الواقع الإيراني، فمن الصعوبة بمكان تحقيق الانهيار التلقائي الذي ترغب الولايات المتحدة وإسرائيل حدوثه، إذ لا تُظهر نتائج ضرب القيادات واستهداف المرشد الأعلى وقيادات الصف الأول التفكك والارتباك، بل أدت الى إعادة إنتاج رد فعل أكثر تشددًا تبعًا لبنية الدولة وتماسك مؤسساتها القسرية، بل افضت الضربات العسكرية الامريكية الى حدوث نتائج عكسية في كثير منها، عندما تمكنت ايران من اعادة التعبئة والامتصاص ضمن بنية أمنية–سياسية أوسع، وأن الضربة لم تُترجم تلقائيًا إلى نتيجة سياسية ولم تُحسن قراءة المنظومة التي تنتج القوة والشرعية، كما يشدد ستيفن بيدل الذي يرى (ان أثر القوة يعتمد على تكيّف الخصم وقدرته على إعادة تنظيم الدفاع والقيادة)، وأن التفوق السيبراني/الجوي لا يحسم وحده إن كانت الدولة ستنهار أم ستعيد تماسكها بطرق أكثر صلابة، وبناءً عليه فإن انتقال التصعيد من استهداف القيادة إلى استهداف بنية الدولة نفسها قد يدفع نحو أحد مسارين:
الأول: تفكك مؤسسي إذا ترافقت الضربات مع انهيار الرواتب/الخدمات وانقسام الجهاز القسري.
الثاني: تماسك قسري أكثر تشددًا إذا نجحت المؤسسة الأمنية (الحرس الثوري) في إعادة ضبط السردية والاحتكار الأمني واحتواء الصدمة.
لحظة الاختيار الحاسمة: بين إنقاذ الدولة والمقامرة بالتصعيد
في ضوء سيناريو التصعيد الشامل واحتمالات استهداف بنية الدولة، ستنتقل مركزية القرار الاستراتيجي في إيران بصورة متزايدة إلى الحرس الثوري بوصفه المؤسسة الأكثر قدرة على التحكم في أدوات القوة الصلبة، ما يجعل الكرة في ملعب الحرس بالمعنى الحرفي والمؤسسي، إذ أصبح أمامه خياران تاريخيان:
الأول: إما توظيف قدراته للحفاظ على استمرارية الدولة عبر احتواء الصدمة وإعادة التموضع.
الثاني: المقامرة بالتصعيد المفتوح بما يحمله من مخاطر تفكك البنية المؤسسية نفسها.
في هذا السياق، تبرز أهمية تأثير الالتفاف حول العلم، حيث تميل المجتمعات التي تتعرض لهجوم خارجي إلى زيادة دعمها المؤقت للقيادة القائمة، بغض النظر عن مستوى الرضا السابق عنها، وهو ما وثّقه جون مولر في تحليله الكلاسيكي لسلوك الرأي العام الأمريكي خلال الأزمات الدولية، غير أن هذا التأثير غالبًا ما يكون مؤقتًا، ويتآكل إذا لم تتمكن الدولة من الحفاظ على وظائفها الأساسية، وهو ما يمكن قياسه من خلال مصفوفة مؤشرات الاستقرار التي تتضمن أربعة عناصر حاسمة:
- تماسك النخبة الحاكمة
- تماسك الجهاز القسري
- قدرة الدولة على تمويل نفسها ودفع الرواتب
- استمرار تقديم الخدمات العامة الأساسية
إن القرار الذي سيتخذه الحرس الثوري لن يحدد فقط مسار الحرب، بل سيحدد أيضًا مصير الدولة نفسها، خصوصًا أن هذا القرار سيتخذ في بيئة تتسم بتزايد كلفة الاستنزاف على الطرف المهاجم أيضًا، وهو ما يطرح سؤالًا استراتيجيًا موازياً يتعلق بمدى استعداد الولايات المتحدة للاستمرار في التصعيد عندما تبدأ تكاليفه العسكرية والاقتصادية في تجاوز المكاسب المتوقعة.
العقلانية خلف الخطاب الناري: من التصعيد التكتيكي إلى التهدئة الاستراتيجية
رغم اللغة التصعيدية التي غالبًا ما ترافق الأزمات الكبرى، تُظهر الخبرة التاريخية للسلوك الإيراني أن طهران تميل إلى الجمع بين الرد العسكري المحسوب والانفتاح السياسي المشروط، في إطار ما يُعرف بمنطق التصعيد من أجل التهدئة، حيث يُستخدم الرد المحدود لإعادة تثبيت الردع وخلق شروط تفاوض أكثر توازنًا، وليس للدفع نحو حرب شاملة، هذا النمط يعكس ما وصفه توماس شيلينغ بأن (الهدف من استخدام القوة في كثير من الأحيان ليس تحقيق النصر العسكري، بل خلق تأثير نفسي يتيح للطرف الآخر قبول التسوية دون الشعور بالاستسلام)، وقد عبّر مسؤولون إيرانيون عن هذا المنطق بوضوح في أزمات سابقة، إذ أكد وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف أن (إيران لا تسعى إلى الحرب، لكنها لن تقبل أن تبقى دون رد، وفي الوقت نفسه تبقى الدبلوماسية خيارًا دائمًا إذا توفرت الظروف المناسبة)، وهنا يبرز مفهوم حفظ ماء الوجه بوصفه عنصرًا حاسمًا في إنهاء النزاعات، إذ تحتاج ايران إلى إظهار أنها لم تُجبر على التراجع تحت الضغط، بل اختارت التسوية كخيار سيادي عقلاني، فقد تختار إيران تنفيذ ردود محسوبة خلال الأيام أو الأسابيع القادمة، ليس بهدف توسيع الحرب، بل بهدف خلق لحظة توازن جديدة يمكن بعدها الانتقال إلى طاولة المفاوضات دون أن يبدو ذلك تراجعًا قسريًا، هذه المعادلة الدقيقة بين الردع والتفاوض لا تمثل مجرد تكتيك مرحلي، بل قد تشكل الجسر الذي تعبر من خلاله إيران من مرحلة المواجهة إلى لحظة إعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي والدولي، وهي اللحظة التي ستحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كانت هذه الحرب ستنتهي بإعادة تموضع النظام الإيراني ضمن توازن جديد، أم بانزلاقه نحو مسار أكثر خطورة لا يمكن التنبؤ بنهاياته.
إيران الجديدة المحتملة: من يقود مرحلة إعادة التموضع وكيف ستُحكم الدولة بعد المرشد
دخل النظام الإيراني مرحلة ما بعد المرشد، وعليه فإن مستقبل النظام لن يتحدد بفكرة الانهيار التلقائي، بل بآليات إعادة إنتاج السلطة المتجذرة في بنية الجمهورية الإسلامية نفسها، فالدستور الإيراني ينص على أن اختيار المرشد يتم عبر مجلس خبراء القيادة، ما يعني أن السيناريو الأكثر ترجيحًا مؤسسيًا هو انتقال منظم للسلطة بدل الفراغ الكامل، في هذا السياق، يُرجح أن تلعب المؤسسة الأكثر تنظيمًا وتماسكًا، أي الحرس الثوري، دور صانع الملوك في المرحلة الانتقالية، نظرًا لسيطرته على أدوات القوة الصلبة وشبكاته الاقتصادية الواسعة، وقد أشار علي لاريجاني إلى أن (الحرس يرى نفسه مسؤولًا عن حماية النظام واستمراريته في كل الظروف)، وهو تصريح يعكس تصور الحرس لدوره كضامن للنظام وليس مجرد مؤسسة عسكرية.
أما من حيث طبيعة القيادة المحتملة، فإن المرحلة القادمة قد تشهد صعود نموذج قيادي أكثر براغماتية في السياسة الخارجية وأكثر مؤسسية في صنع القرار، حتى وإن حافظ على الطابع السلطوي للنظام، فقد أشار عراقجي وزير الخارجية إلى أن (مستقبل إيران يعتمد على قدرتها على تحقيق التوازن بين الحفاظ على استقلالها والانخراط الذكي مع العالم)، إذ أن النظام الإيراني والكلام ما زال لعراقجي يمتلك قدرة عالية على التكيف مع الأزمات من خلال تعديل سلوكه دون تغيير جوهره.
بناءً على ذلك، فإن مرحلة ما بعد المرشد لن تكون بالضرورة نهاية النظام، بل قد تمثل مرحلة انتقال من القيادة الكاريزمية_الثورية إلى القيادة المؤسسية_الأمنية، حيث تصبح الأولوية هي حماية الدولة واستقرارها وإعادة التموضع الدولي بدل الاستمرار في المواجهة المفتوحة، وقد تتسم هذه المرحلة بثلاث سمات رئيسية:
أولًا: تشديد داخلي مؤقت لضمان السيطرة.
ثانيًا: انفتاح تفاوضي محسوب لتخفيف الضغوط الدولية
ثالثًا: إعادة تعريف دور إيران الإقليمي بما يوازن بين الردع والبقاء.
وإن السؤال الحاسم لن يكون ما إذا كانت إيران ستبقى أو ستنهار، بل أي نوع من الدول ستصبح: هل ستتحول إلى نظام أكثر براغماتية يسعى إلى إعادة الاندماج الدولي؟ أم إلى نظام أكثر أمننة وانغلاقًا يرى في التشدد شرطًا للبقاء؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل النظام السياسي الإيراني، بل ستحدد أيضًا شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
الخلاصة: لحظة إعادة تعريف الدولة لا لحظة نهايتها
لا يمكن قراءة الحرب الإيرانية الامريكية الاسرائيلية الراهنة بوصفها مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل بوصفها لحظة مفصلية لإعادة تعريف طبيعة الدولة ووظيفتها وموقعها في النظام الدولي، فالتاريخ السياسي للنظم الثورية يبين أن أخطر التحديات لا تكون تلك التي تهدد وجودها المادي فحسب، بل تلك التي تجبرها على إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها، وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخيار الحقيقي بين الانتصار والهزيمة، بل بين التكيف الذي يضمن البقاء، والجمود الذي يقود إلى التآكل التدريجي، وإن اختبار الدولة الحقيقي لا يكمن في قدرتها على خوض الصراع، بل في قدرتها على معرفة متى وكيف تنهيه بما يحفظ استمراريتها، وعليه، فإن مستقبل إيران لن يتحدد فقط بنتائج الضربات أو بردود الفعل الآنية، بل بقدرة نخبها الحاكمة ما بعد المرشد، وخاصة المؤسسة الأمنية_السياسية، على إدراك أن إعادة التموضع الاستراتيجي ليست تنازلًا عن الدولة، بل قد تكون شرطًا لبقائها، فالدول لا تسقط عادة عندما تتعرض للضرب، بل عندما تفشل في تحويل الصدمة إلى لحظة إعادة بناء.
في تاريخ الدول، ليست اللحظة الأخطر هي لحظة الضربة، بل لحظة القرار التي تليها، فإما أن تتحول الصدمة إلى نقطة إعادة تموضع تؤسس لبقاءٍ طويل، أو إلى بداية مسارٍ ينتهي بتآكل الدولة من داخلها.


