إنَّ الافتراضَ القائلَ بانهيارِ النظامِ السياسيِّ الإيرانيِّ بمجردِ خلوِّ منصبِ المرشدِ الأعلى يعكسُ قراءةً غير تخصُصية أو مكتملةٍ للبنيةِ الدستوريةِ لذلك النظام؛ فالدولُ لا تُبنى على الأشخاصِ، بل على مؤسساتٍ وآلياتِ انتقالِ سلطةٍ مُصمَّمةٍ مسبقاً لإدارةِ لحظاتِ الفراغ.
وبحسبِ دستورِ الجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانيةِ لعام 1979، المعدَّلِ عام 1989، فإنَّ موقعَ القائد (المرشد الأعلى) يمثّل قمةَ الهرمِ في هندسةِ السلطة، غيرَ أنَّ هذا الموقع – على الرغم من مركزيتهِ – ليس خارجَ التنظيمِ الدستوري، ولا يُترك شاغِراً دون معالجة؛ فقد عالجت المادةُ (111) من الدستورِ صراحةً حالةَ وفاةِ القائد أو استقالتِه أو عزلِه، ضمن ما يُعرَف في الفقهِ الدستوري بـ ” نظامِ الاستخلافِ الدستوري “، أي الآليةِ القانونيةِ المُسبقةِ لسدِّ الشغور ومنعِ الفراغِ المؤسسي.
وتنصُّ المادةُ المذكورة على أنه في حالِ خلوِّ المنصب، يتولى مجلسُ الخبراء – المؤلَّفُ من (88) عضواً – مهمةَ اختيارِ القائدِ الجديدِ والإعلانِ عنه في أسرعِ وقتٍ ممكن؛ وإلى حين إتمامِ هذا الإجراء، تنتقلُ صلاحياتُ القيادةِ مؤقتاً إلى مجلسٍ مؤلَّفٍ من رئيسِ الجمهورية، ورئيسِ السلطةِ القضائية، وأحدِ فقهاءِ مجلسِ صيانةِ الدستور يُنتخَبُ من قبل مجمعِ تشخيصِ مصلحةِ النظام، بحيث تمارسُ هذه الهيئةُ مهامَّ القيادةِ بصورةٍ جماعيةٍ ومؤقتة.
وتكشفُ هذه الصيغةُ أن النظامَ لم يترك مسألةَ القيادةِ رهينةَ الظرفِ الطارئ، بل أنشأ مساراً مزدوجاً:
- مساراً دائماً يتمثّل في انتخابِ قائدٍ جديدٍ عبر مجلسٍ مختص.
- ومساراً انتقالياً مؤقتاً يمنع حدوثَ فراغٍ في قمةِ السلطة.
ومن منظورٍ نظري، نحن أمام نموذجٍ يجمعُ بين مركزيةِ المنصب وطابعِ الاستخلافِ الجماعيِّ المؤقت، وهو تصميمٌ يهدفُ إلى تحقيقِ الاستمراريةِ المؤسسيةِ وتقليلِ احتمالاتِ الاضطرابِ السياسي؛ وبالتالي، فإنَّ الحديثَ عن ” انهيارٍ تلقائيٍّ ” للنظام بسببِ خلوِّ المنصب يتجاهل وجودَ بنيةٍ قانونيةٍ واضحةٍ لمعالجةِ هذا الاحتمال.
وخلاصةُ القول: إنَّ قوةَ أيِّ نظامٍ سياسيٍّ لا تُقاسُ بشخصيةِ من يتصدَّره، بل بمتانةِ قواعدِ انتقالِ السلطةِ داخله، والدستورُ الإيراني – شأنُه شأنُ العديدِ من الدساتيرِ الحديثة – وضع نصّاً صريحاً ينظّم لحظةَ الشغور، بما يحولُ دون الانقطاعِ الدستوري أو الفراغ التنظيمي والسياسي.


