في خضم سباق المصالح الدولية المحتدمة على منطقة الشرق الأوسط يبرز مشهد جديد يحمل في طياته مخاطر وجودية على المشروع الكردي الذي يبدو أنه لم يتعلم بعد من دروس الماضي القريب. ما حدث من اتصال لدونالد ترامب مع مسعود برزاني وبافل طالباني بتاريخ “3 اذار 2026 “لم يكن مجرد تواصل دبلوماسي عابر بل كان بحسب العديد من القراءات الهدف منه إدخال قوات كردية معارضة إلى الأراضي الإيرانية برفقة عناصر الموساد والكوماندوز الأمريكي في محاولة يائسة لفتح جبهة برية جديدة بعد أن فشلت الضربات الجوية وأيقن ترامب استحالة التغيير من داخل الشعب الإيراني أو عبر استهداف منشآته من الجو . وهنا تكمن الكارثة المتوقعة فالأكراد الذين يصدقون دوماً بالوعود الأمريكية الغربية سيخطئون مجدداً في حساباتهم متناسين أن من تركهم قبل أسابيع فقط فريسة لجيش “الشرع” في سوريا حيث ألقيت النساء من النوافذ وتعرضت للسبي والاغتصاب على يد فصائل لا تعرف الرحمة لن يتردد في التضحية بهم مرة أخرى لمجرد تحقيق مكسب تكتيكي ضد طهران . إن حالة الخذلان التي طالت الأكراد السوريين خير دليل على مصداقية الحليف الأمريكي فلم يحصل الكورد على أي منصب حقيقي في الحكومة السورية الجديدة بل قتل رجالهم وانتهكت حرمات نسائهم في تناقض صارخ مع ما يتمتع به إقليم كردستان العراق من مكاسب دستورية وحقوق يحلم بها نظراؤهم في سوريا .
لكن هذه المرة سيكون الأمر صعبًا جدًا عليهم فلن تكون المنطقة كما كانت من قبل فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يرفض أي تمدد كردي قرب حدوده لن يسمح بإنشاء كيان معادٍ على تخومه الجنوبية أو استغلال الأكراد كورقة لضرب إيران خاصة وأن أنقرة تعتبر أي كيان كردي في شمال سوريا امتداداً لحزب العمال الكردستاني على حدودها . من الناحية الأخرى فإن الإيرانيين وأجهزتهم الاستخبارية يقظون تماماً لهذه المؤامرة ولن يسمحوا بتكرار سيناريو أفغانستان على حدودهم الغربية خاصة وأن الأحزاب الكردية الإيرانية المتمركزة في العراق تدرك أنها ستكون أول المتضررين من أي مواجهة مسلحة حيث سبق أن دفعت ثمناً باهظاً من دماء قادتها ومقاتليها في مواجهات سابقة مع الحرس الثوري . أما في الداخل العراقي فان القوى التي تحفظ توازن البلاد لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام تحويل أراضي إقليم كردستان منصة انطلاق لضرب جارتهم إيران مما سيشعل صراعاً داخلياً مدمراً ينذر بنهاية الحكم الذاتي الكردي المتماسك حتى الآن .
إن وعد أمريكا للأكراد بدولة مستقلة إذا دعموا الغزو البري الامريكي برفقة قوى
كردية معارضة لإيران هو مجرد وهم في
عالم السياسة الدولية . لقد أثبتت التجارب المتكررة أن واشنطن تستخدم القوات الكردية كورقة ضغط تكتيكية ثم تتخلى عنها بمجرد أن تتعارض مصالحها مع تركيا أو إيران أو في سوريا . هذه المرة المشهد مختلف تماماً فكل الأطراف الفاعلة في المنطقة مجمعة على رفض هذا المخطط وأي قرار
في تنفيذه سيكون بمثابة إيذان بانتهاء الحلم الكردي نهائيا حتى في العراق الذي كان لسنوات النموذج الوحيد الناجح للوجود الكردي السياسي .


