من شرق أوسط جديد إلى عالم جديد

من شرق أوسط جديد إلى عالم جديد
يتناول النص تحوّل النظام الدولي نحو منطق الهيمنة الاقتصادية والسياسية، حيث تُدار العلاقات الخارجية وفق مصالح الطاقة والموارد، وتتراجع قيم الشرعية والقانون الدولي أمام اعتبارات القوة والأمن القومي في سياق تنافس جيوسياسي متصاعد....

يؤكد كبار الاقتصاديين، منذ لينين وحتى مدارس النقد المعاصرة، أن الإمبريالية تمثل أعلى مراحل الرأسمالية، حين تتحول الدولة والقوة العسكرية والاقتصاد إلى أدوات مباشرة لنهب الموارد وإعادة تشكيل العالم بما يخدم مصالح القوى الكبرى. وما نشهده اليوم لا يقتصر على الشرق الأوسط فحسب، بل هو إعادة تصميم شاملة للعالم بأسره، تتم بين يدي قوة عظمى لم تعد تخفي نواياها.

لم يعد الحديث يدور عن “شرق أوسط جديد” كما رُوّج له في العقود الماضية، بل عن نظام دولي جديد يتشكل بالقوة والمال، حيث تُعاد صياغة مفاهيم السيادة، والشرعية، وحتى القانون الدولي، وفق منطق المصلحة الصرفة.

لأكثر من ثلاثة عقود، حرص الرؤساء الأمريكيون على تبرير تدخلاتهم الخارجية بشعارات نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. منذ اعتقال مانويل نورييغا في بنما عام 1989 “دفاعًا عن الديمقراطية”، مرورًا بهايتي، وصولًا إلى العراق وأفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر، كان الخطاب الديمقراطي هو الغطاء السياسي والأخلاقي للتدخل العسكري.

غير أن المشهد تغيّر جذريًا. فبعد اعتقال نيكولاس مادورو، أعلن دونالد ترامب صراحة أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة قطاع النفط الفنزويلي وتدير البلاد مؤقتًا، دون أن يذكر كلمة “ديمقراطية” ولو لمرة واحدة. هذا الصمت ليس تفصيلاً، بل إعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى: مرحلة تُدار فيها السياسة الخارجية بمنطق الغنيمة لا القيم.

تُعد فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم، وهي اليوم تصدّر الجزء الأكبر من نفطها إلى الصين وكوبا، ما يمنح القضية بعدًا جيوسياسيًا مباشرًا. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحرك الأمريكي على أنه رسالة إنذار واضحة: واشنطن لن تسمح بخروج موارد نصف الكرة الغربي عن نطاق سيطرتها.

وقد صرّح ترامب ومستشاروه مرارًا بأن النفط يجب أن يكون “تعويضًا” للولايات المتحدة مقابل تدخلاتها، سواء في العراق أو سوريا أو غيرها. وهنا تتجلى الرأسمالية المتوحشة في أوضح صورها: التدخل العسكري يتحول إلى استثمار، والحرب إلى صفقة، والدول إلى أصول قابلة للإدارة.

يأتي هذا كله في سياق عالمي جديد، حيث يستهلك الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة. فبحسب أحدث تقارير وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن يتضاعف الطلب على الكهرباء المرتبط بالذكاء الاصطناعي أربع مرات بحلول عام 2030. هذا الضغط المتزايد على شبكات الكهرباء يعيد الاعتبار بقوة للنفط والغاز، ويجعل السيطرة على مصادر الطاقة مسألة أمن قومي من الدرجة الأولى.

من هنا، لا تبدو فنزويلا حالة معزولة، بل جزءًا من سباق عالمي محموم على الموارد، في عالم تقوده التكنولوجيا ولكن تحكمه الطاقة.

المنطق ذاته يظهر في تصريحات ترامب حول غرينلاند، حين قال بوضوح: “نحن بحاجة إليها للدفاع”، مؤكدًا أن المسألة تتعلق بالأمن القومي. غرينلاند، الغنية بالمعادن النادرة، تمثل حلقة أساسية في سلاسل الإمداد المستقبلية، خصوصًا في ظل التنافس مع الصين.

وقد أثارت هذه التصريحات مخاوف حقيقية في الدنمارك من تكرار “السيناريو الفنزويلي”، وهو ما يعكس اتساع نطاق هذه الاستراتيجية التي لا تعترف بالحدود التقليدية أو التحالفات التاريخية.

لم تعد “الترامبية” مجرد ظاهرة أمريكية داخلية، بل أصبحت نموذجًا للسياسة العالمية. فغياب معارضة دولية جدية لهذا النهج يكشف أن النظام العالمي الليبرالي قد بلغ حدوده القصوى، وأن العلاقات الدولية لم تعد تُدار على أساسه.

الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة ترامب، والتي رفعت التعريفات إلى أعلى مستوياتها منذ الكساد الكبير، أربكت الأسواق وأعادت تشكيل العلاقات التجارية العالمية. ومن المرجح أن تظل هذه السياسات، وردود الفعل عليها، في صدارة المشهد الدولي خلال السنوات المقبلة.

في هذا النظام الجديد، يجب أن تكون السياسة الخارجية، بحسب منطق ترامب، أداة لتحقيق أهداف ملموسة قابلة للتحويل إلى مكاسب مالية. هذا هو جوهر الرأسمالية المتوحشة: لا تحالفات دائمة، ولا قيم ثابتة، بل مصالح تُقاس بالأرقام.

يتجلى هذا التحول بوضوح في الشرق الأوسط، من التفرد الإسرائيلي بالقوة الغاشمة تجاه فلسطين، إلى تمددها الاستراتيجي وصولًا إلى صومال لاند على البحر الأحمر، وما يحمله ذلك من تهديد مباشر لأمن المنطقة. كل ذلك يجري في ظل صمت دولي مطبق تجاه الغطرسة الأمريكية، وعبثها بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية وحقوق الإنسان.

إنه تحول عميق في مبادئ الحق والسلم الدوليين، حيث تُستبدل الشرعية بالقوة، والقانون بالهيمنة.

أمام هذا التفرد الأمريكي- الإسرائيلي ، تقع على عاتق القيادات العربية الواعية مسؤولية تاريخية. فالمستقبل يحمل مخاطر جسيمة على السيادة والسياسات الوطنية واستقلال القرار. لم يعد مقبولًا أن تبقى الدول العربية مجرد متلقٍ لسياسات القوى الكبرى، بل يجب أن تكون مساهمة في رسم سياسات منطقتها ومصير شعوبها.

إن التغيرات في موازين القوى العالمية تتطلب تعزيز العمل العربي المشترك، وتجنب الانجرار وراء المشاريع الخارجية الخطيرة، وبناء رؤية استراتيجية واقعية تستند إلى العلم والمصلحة لا الشعارات.

فالعالم الجديد، كما “الشرق الأوسط الجديد”، لا يمكن التعامل معه بعقلية الماضي. إنه يحتاج إلى فكر جديد، ومنطق واقعي، ووعي عميق بطبيعة الصراع في زمن الإمبريالية المتجددة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *