المقدمة:
منذ عام 2003، تُودع عائدات النفط العراقي – التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة – في حساب خاص لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. هذا الترتيب الذي بدأ تحت عنوان “الحماية الدولية” تحول مع مرور الوقت إلى أداة هيمنة سياسية واقتصادية، جعلت العراق رهينة تبعية مالية مستمرة لأكثر من عقدين، حيث تُدار شرايين اقتصاده من خارج حدوده.
ولادة الوصاية المالية
بعد الغزو الأمريكي، أصدر مجلس الأمن القرار 1483 الذي أنشأ “صندوق تنمية العراق” لإدارة العائدات النفطية تحت إشراف دولي، مع اقتطاع 5% منها لتعويض الكويت عن حرب 1990، وهو التزام استمر حتى عام 2022. وفي الوقت نفسه، أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأمر التنفيذي 13303 الذي منح هذه الأموال حصانة قانونية من الملاحقة القضائية في المحاكم الأمريكية، وهو إجراء يُجدد سنوياً حتى اليوم. هذه الترتيبات وضعت العراق عملياً تحت وصاية مالية خارجية.
من الحماية إلى الهيمنة
مع مرور السنوات، تحولت هذه الآلية إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي:
– ورقة ضغط سياسي: في يناير 2020، هددت إدارة ترامب بتجميد الأموال العراقية رداً على تصويت البرلمان لطرد القوات الأمريكية، ما أجبر الحكومة على التراجع.
– السيطرة على السياسة النقدية: واشنطن تتحكم بتدفق الدولار إلى الاقتصاد العراقي، ما أدى إلى إنهاء مزاد العملة الأجنبية عام 2024، وفرض عقوبات على عشرات المصارف، ومنع التعامل باليوان الصيني. أي قرار مالي عراقي يمر عبر وزارة الخزانة الأمريكية.
– الخطر المباشر: مجرد تأخير بسيط في التحويلات قد يُعطل دفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين، مهدداً الاستقرار الاجتماعي والأمني.
العقبات أمام التحرر
رغم إدراك الحكومات العراقية المتعاقبة لخطورة الوضع، فإنها فشلت في استعادة السيطرة على أموالها بسبب:
- القوة الأمريكية الرادعة: التهديد بتجميد الأموال وما يعنيه من انهيار اقتصادي فوري.
- الفساد وضعف المؤسسات: يقوض المصداقية الدولية لأي مطالبة عراقية بالاستقلال المالي.
- الاقتصاد الريعي الأحادي: الاعتماد على النفط بنسبة تفوق 90% يجعل العراق هشاً أمام أي صدمة.
- غياب الإرادة السياسية الموحدة: الانقسام الداخلي يحول دون تبني استراتيجية وطنية جريئة.
طريق الخلاص: نحو سيادة مالية حقيقية
التحرر من هذه الحلقة يتطلب خطة متعددة المسارات:
– تنويع الاحتياطات النقدية: توزيع الأرصدة بين عملات مختلفة (اليورو، الذهب) وإيداعها في بنوك مركزية متعددة خارج الولايات المتحدة لتقليل المخاطر المرتبطة بالدولار.
– تحصين مالي فوري: اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية التدفقات النقدية وضمان استمرار دفع الرواتب والاستيراد دون تعطيل، مع تعزيز الشفافية المالية لزيادة الثقة الدولية.
– إنشاء صندوق سيادي: تأسيس صندوق وطني يستثمر جزءاً من العائدات النفطية في أصول متنوعة خارج النظام الأمريكي، ليكون بمثابة وسادة مالية للأجيال القادمة ويعزز استقلال القرار الاقتصادي.
– إصلاح اقتصادي جذري: كسر دائرة الاقتصاد الريعي عبر تنويع مصادر الدخل ودعم القطاعات الإنتاجية غير النفطية، مع مراجعة الإنفاق الحكومي الضخم وتوجيهه نحو الاستثمار.
– مناورة سياسية ودبلوماسية: بناء توافق وطني حول أولوية الاستقلال المالي، وتشكيل تحالفات اقتصادية بديلة مع الصين والاتحاد الأوروبي، واستخدام المنصات الدولية للاحتجاج على الوصاية المالية.
الخاتمة:
إن بقاء الأموال العراقية رهينة في البنك الاحتياطي الفيدرالي ليس مجرد ترتيب مالي تقني، بل هو تجسيد لفقدان السيادة. لقد تحولت “الحماية” إلى هيمنة، و”الاستقرار النسبي” إلى تبعية مطلقة. التحرر من هذا المأزق التاريخي يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، يقوي المؤسسات لمكافحة الفساد، ويوحد الإرادة لاستعادة القرار المالي. السيادة لا تُستعاد بالتصريحات، بل تُبنى بالاقتصاد والإرادة.


