وبين مَن لا يفهم -ومشكلته سهلة وتنحل بإفهامه مالم يفهمه – ومَن لا يريد أن يفهم -وهنا المشكلة فمن لا يريد أن يفهم لن تستطيع إفهامه بأي طريقة معروفة – ثمة فرق هائل قد يتحول أحيانا إلى مأساة قاسية. بدءاً، أسجل تضامني مع المدنيين السوريين الأكراد ومن سائر فئات الشعب السوري ورفضي لما يتعرضون له من اضطهاد وتهجير وقتل على الهوية من قبل المليشيات الحكومية المحمية تركياً والممولة قَطَرياً. وأحمل قيادات المليشيات الكردية جزءا مهما من مسؤولية ما حدث لشعبها برهانها الخاسر على عدوة الشعوب الإمبريالية الأميركية. وما أقوله هنا من نقد وكشف لا يبطل أو يقلل من إيماني الشخصي بحق الشعوب والأمم – ومنها الأمة الكردية – في تقرير مصيرها على أرضها كسائر أمم وشعوب الكوكب.
لقد كانت أمام قيادة القوات الكردية فرصة الوصول إلى حل متوازن ومعقول مع الدولة السورية قبل وبعد سقوط نظام الأسد، ولكنها كانت منتشية ومستقوية بالدعم الأميركي، فرفضت عروض النظام السابق – الذي يتحمل بدوره جزءا كبيرا مما حدث له ولشعبه بإصراره على الانفراد بالحكم الاستبدادي ورفضه لأي حلحلة أو تفكيك للجنبة الأمنية القمعية لنظامه – وأصرَّت “قسد” على تحقيق أهدافها في الاستقلال شبه التام على طريقة الأحزاب والمليشيات الكردية العراقية.
غاب عن بال قسد أن الوضع في العراق مختلف جذريا عما هو عليه في سوريا وغيرها من الدول، فقد اقتسمت الأحزاب والمليشيات المسلحة الكردية الحكم الجديد لمرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي مع الشيعة والسنة بقرار دولة الاحتلال وموافقة حلفائه من الساسة الشيعة والسنة. ونالت القيادات الكردية العراقية حصة سياسية ومالية أكبر حتى من حجمها السكاني. ففي العراق لا تتجاوز نسبة الأكراد 12 بالمئة ولكنهم يهيمنون على أكثر من ثلث الحكم التشريعي والتنفيذي تقريبا، وعلى كل الحكم في الإقليم مناصفة بين عائلتي بارزاني غربا وطالباني شرقا، واستمروا يستلمون 17 بالمئة من الموازنة العراقية بأمر من دولة الاحتلال كما أعلن أول رئيس وزراء مؤقت هو إياد علاوي حينها.
وليس من المستبعد ما قيل من أن القيادات الكردية تحصلت على تلك المكاسب عبر صفقة سياسية عقدوها مع الزعامات الشيعية قبل الاحتلال الأميركي وخلال ما سمي بمؤتمري (صلاح الدين في تشرين الثاني 1992 حين كانت المحافظات الكردية الثلاث خارج سيطرة الدولة العراقية وتحت الحماية الجوية الأطلسية المباشرة) ومؤتمر لندن للمعارضة العراقية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية عُقد في كانون الأول 2002، أي قبل احتلال العراق بعام تقريبا.
لقد كانت أمام القيادة الكردية السورية فرصة أخرى للوصول إلى حل وسط مع سلطة الأمر الواقع التي جاءت بها صفقة أو انقلاب كانون الأول 2024، ولكنها أصرت مرة أخرى على مطالبها وأهدافها سالفة الذكر، فحدث ما حدث وتحمل المدنيون السوريون الكرد نتائج حماقات القيادات المليشياوية الكردية وتكرار تجاربها الفاشلة في التحالف والتعويل على الولايات المتحدة.
لقد تخلى عنها حليفها الأميركي كما يتخلى المرء عن جوربه العتيق، وهربت قواتها قبل أن تصل قوات مليشيات الجولاني المدعومة تركيا إلى مناطقها. وقد يقول قائل وكيف تصل هذه القيادات إلى حل وسط في سوريا مع نظام قومي مستبد أو آخر سلفي انقلابي؟ أعتقد أن من يجرؤ على تشكيل جيش مسلح ويناهض الدولة، عليه أن يضع في حسبانه أنه قد يضطر يوما إلى عقد سلام مع تلك الدولة، إذا كان من المستحيل عليه أن يسقطها. وكان ينبغي التفكير بأن الدعم الأميركي هو دعم تكتيكي وليس ضمانات ثابتة فالأكراد لن يكونوا بالنسبة لأميركا والغرب كما كانت “إسرائيل”. لأن الولايات المتحدة مثلها مثل الكيان الصهيوني، لم تقف يوما مع شعب يريد التحرر بل وقفت على الدوام ضد حرية واستقلال الشعوب بل وصادرت هذه الحرية وذهب إلى أقاصي المعمورة لتدمر شعوبا أخرى وتصادر حقها في الاستقلال بعد أن أبادت الشعوب الأصلية في القارة التي وصلتها جماهير المهاجرين الأوروبيين طوال ثلاثة قرون بدءا من السابع عشر.
*في العراق لا يزال تعويل القيادات الكردية وخاصة في إمارة بارزاني على الأميركيين وأحيانا على الكيان الصهيوني مستمرا، ومعتمدا على الصفقة الغنائمية التي عقدوها مع ساسة الفساد الشيعة المهيمنين على الحكم التابع في بغداد. وهذه التجربة ستنتهي نهاية لا تقل وطأة وفداحة عن تجربة مجموعة مظلوم عبدي في سوريا، خصوصا وقد تراكم في العراق ما تراكم من فساد واستئثار وعجرفة قومية وطائفية. وبمجرد حدوث حراك انتفاضي شعبي عراقي شامل، سيبدأ الساسة الأكراد والشيعة من حلفاء واشنطن معهم هذه المرة فهم لن يكونوا بمنجاة من غضبة الشعب، سيبدأون كلهم بالنواح والبكاء كما ناحوا خلال انتفاضة تشرين 2019 وسيقولون كما قالوا في نواحهم آنذاك: “لقد ضاعت إنجازات ومكتسبات نصف قرن من كفاحنا”! ويقصدون بكفاحهم طبعا تبعيتهم العمياء ورهانهم الخاسر المرة تلو الأخرى على عدوة الشعوب الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها في الكيان الإبادي العنصري! متى يفهم الكردي مقولته الشهيرة: “ليس للكردي صديق غير الجبل والريح”


