المقدمة
شهدت العلاقات الأمريكية الفنزويلية توترًا منذ وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، كزعيم شعبوي ذي ميول يسارية متحالف مع كوبا وروسيا. وعندما توفي تشافيز عام 2013، وخلفه مادورو، الذي اختاره بنفسه في الرئاسة، وبقي في السلطة وسط اتهامات بتزوير الانتخابات وقمع المعارضة. ووصل التوتر ذروته عندما وصل الرئيس الامريكي دونالد جون ترمب الى البيت الأبيض في دورته الرئاسية الثانية يناير/كانون الثاني 2025، ليتخذ اجراء عسكري في الساعات الأولى من صباح 3 يناير/كانون الثاني 2026، من خلال قيام الجيش الأمريكي (قوات الدلتا) بعملية عسكرية لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وإخراجه من فنزويلا. وشملت هذه العملية أيضاً اعتقال زوجته، سيليا فلوريس، وإخراجها أيضاً. ثم نقل مادورو وفلوريس إلى نيويورك للمثول أمام المحكمة بتهم تهريب المخدرات والأسلحة.
تُعد فنزويلا واحدة من الدول ذات الأهمية الخاصة في النظام الاقتصادي الدولي، لما تمتلكه من موارد طبيعية ضخمة، وعلى رأسها النفط، إضافة إلى موقعها الجغرافي المؤثر في أمريكا اللاتينية. وقد شكّلت هذه الأهمية عاملًا رئيسًا في تداخل البعد الاقتصادي مع السياسي في علاقاتها الخارجية، ولا سيما مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وخلال العقود الأخيرة، اتسمت السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا بطابع تصاعدي من التوتر، تداخلت فيه الاعتبارات الاقتصادية مع الأهداف الجيوسياسية، خاصة في ظل التحولات التي شهدها قطاع الطاقة العالمي، وتزايد المنافسة الدولية على الموارد الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل الدوافع الاقتصادية الكامنة وراء السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا، وبيان أدوات التأثير المستخدمة، وانعكاسات تلك السياسة على الاقتصاد الفنزويلي وأسواق الطاقة الإقليمية والدولية.
أولا: مفهوم السياسة الخارجية الاقتصادية وأدوات التأثير الاقتصادي
تشير السياسة الخارجية الاقتصادية إلى مجموعة الاستراتيجيات والقرارات والأدوات التي تسعى الدولة من خلالها إلى تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية الدولية باستخدام الوسائل الاقتصادية. وهي تمثل نقطة التقاء الاقتصاد والسياسة الخارجية، اذ تُوظَّف التجارة والاستثمارى والتمويل وموارد الطاقة للتأثير على سلوك الدول الأخرى أو الجهات الفاعلة في النظام الدولي. وتستخدم الدول السياسة الخارجية الاقتصادية لحماية مصالحها الوطنية، كالأمن الاقتصادي، والوصول إلى الموارد الاستراتيجية، وتوسيع الأسواق، وتعزيز النفوذ الجيوسياسي، وتحقيق الاستقرار المالي. وعلى عكس الأدوات العسكرية، يُنظر إلى الأدوات الاقتصادية غالبًا على أنها أقل صدامية، إلا أنها قادرة على إحداث آثار كبيرة وطويلة الأمد على الاقتصادات المستهدفة.
اما أدوات التأثير الاقتصادي فهي:
1- أدوات السياسة التجارية: تشمل هذه الأدوات التعريفات الجمركية، والحصص، والاتفاقيات التجارية، والحظر. يجوز للدول تقييد أو توسيع العلاقات التجارية للضغط على الدول الأخرى أو مكافأة التحالفات السياسية.
2- العقوبات الاقتصادية: تتضمن العقوبات قيودًا على التجارة، والتمويل، والاستثمار، أو الوصول إلى الأسواق الدولية. وتُستخدم على نطاق واسع لإجبار الدول على تغيير سياساتها، أو إضعاف الحكومات المعارضة، أو التعبير عن الاستياء السياسي، كما حصل مع العديد من بلدان العالم[1].
3- الاستثمار الأجنبي المباشر FDI: يُعد تشجيع أو تقييد تدفقات الاستثمار أداةً لدعم الحلفاء الاستراتيجيين أو كبح جماح المنافسين، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الطاقة والبنية التحتية.
4- الأدوات المالية والنقدية: تشمل هذه الأدوات التحكم في الأنظمة المالية، وإمكانية النفاذ إلى آليات الدفع الدولية مثل نظام سويفت SWIFT، إضافة إلى القروض والمساعدات المالية. وتُسهم السيطرة على المؤسسات المالية العالمية في تعظيم النفوذ الاقتصادي للدولة وتعزيز قدرتها على التأثير في التفاعلات الاقتصادية الدولية.
5- سياسة الطاقة والموارد: تعد السيطرة على إمدادات الطاقة والموارد الحيوية أداةً قويةً للتأثير، لاسيما في الاقتصادات التي تعتمد على الطاقة[2].
ثانيا: الأهمية الاقتصادية لفنزويلا
تبلغ مساحة فنزويلا 916.445 كيلومتر مربع، وعدد سكانها في عام 2025 (28.6) مليون نسمة، ولغة السكان الاصلية هي اللغة الاسبانية، وقد بلغ إجمالي الناتج المحلي لعام 2024 (106.3) مليار دولار أمريكي، وحجم الصادرات بلغ 13.5 مليار دولار، بينما اجمالي الواردات كان 14.8 مليار دولار[3].
تحتل فنزويلا موقعًا استراتيجيًا هامًا في الاقتصاد العالمي، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى مواردها النفطية الهائلة. اذ تمتلك البلاد أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في العالم، تُقدر بأكثر من 303 مليار برميل، ما يمثل حوالي 17% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة، وهي بذلك تحتل المرتبة الأولى عالميا. هذا يجعل فنزويلا موردًا رئيسيًا محتملاً في سوق النفط العالمية، على الرغم من انخفاض طاقتها الإنتاجية الفعلية في السنوات الأخيرة بسبب العقوبات الامريكية على قطاع الطاقة.
[1] Sarah Krulikowski , Economic Sanctions: An Overview, U.S. International Trade Commission, March 2024. https://www.usitc.gov/publications/332/executive_briefings/ebot_economic_sanctions_overview.pdf
[2] National Association of Manufacturers. Energy and Environment Policies. April 2020. https://nam.org/wp-content/uploads/2020/04/Energy-and-Environment-Policies.pdf
[3] Luis Manuel Freites, Doing Business Venezuela, 2024, P.5.

المصدر من عمل الباحث بالاعتماد على:
– OPEC, OPEC Annual Statistical Bulletin, 60th edition, 2025, P.22.
يعتمد الاقتصاد الفنزويلي اعتمادًا كبيرًا على قطاع النفط، إذ لطالما شكلت صادرات النفط المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومة وعائدات النقد الأجنبي. ومن ثم فإن أي تطورات سياسية أو اقتصادية في فنزويلا لها تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية واستقرار الأسعار. من منظور خارجي يمثل التحكم في إنتاج النفط الفنزويلي أو التأثير عليه مصلحة اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية، لا سيما بالنسبة للدول الرئيسية المستهلكة والمنتجة للطاقة كالولايات المتحدة الامريكية. علاوة على ذلك، فإن قرب فنزويلا الجغرافي من الأسواق الرئيسية، وخاصة الولايات المتحدة، وخصائص نفطها الخام الثقيل (المناسب لتكوينات تكرير محددة) يعزز أهميتها الاقتصادية. وحتى في ظل انخفاض الإنتاج، تبقى احتياطيات النفط الفنزويلية رصيدًا استراتيجيًا ذا آثار طويلة الأجل على أمن الطاقة العالمي. وفي هذا السياق، تُفسر الأهمية الاقتصادية لفنزويلا الاهتمام الدولي المستمر الذي تحظى به، إذ لا يزال الوصول إلى موارد الطاقة عاملاً حاسماً في السياسة الخارجية الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي.
كانت فنزويلا واحدة من أكثر الاقتصادات حيوية في أمريكا اللاتينية خلال منتصف القرن العشرين. فقد موّلت طفرة النفط في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي البنية التحتية الحديثة، وأوجدت طبقة متوسطة واسعة ومزدهرة وذات مستوى تعليمي عالٍ. إلا أن تفاقم عدم المساواة الاجتماعية والفساد واضطلاع الدولة بدور اقتصادي مفرط. نجم عنها إدارة غير فعّالة، وإنتاجية منخفضة، واعتمادًا كبيرًا على عائدات النفط. وعندما انهارت أسعار النفط العالمية عام 2014، دخلت فنزويلا في أزمة غير مسبوقة. فقد أدى التضخم المفرط إلى تدهور مستويات المعيشة، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 80%. وهاجر ما يقرب من 8 ملايين فنزويلي، أي حوالي 25% من السكان. وبدايةً من عام 2020، حررت الحكومة الاقتصاد جزئيًا. فتم تخفيف ضوابط الأسعار، والسماح بالمعاملات بالعملات الأجنبية، وتخفيض الحواجز التجارية بشكل طفيف. وقد جلبت هذه الإصلاحات فترة راحة قصيرة. في عام 2024، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% تقريبًا. إلا أن هذا العام شكّل نقطة تحول، إذ أدى ترسيخ تشافيز للسلطة السياسية عقب الانتخابات الإقليمية والمحلية لعام 2025 إلى تفاقم حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي. في مايو/أيار 2025، أعادت الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة الرئيس ترامب فرض عقوبات قطاعية على صادرات النفط الفنزويلية، ما أجبر فنزويلا على بيع النفط في الأسواق غير الرسمية (معظمها في آسيا) بأسعار مخفضة. وتشير التوقعات لعام 2025 إلى انكماش بنسبة 4% وتضخم يتجاوز 250%، وهو من أعلى المعدلات عالميًا. وتشهد البلاد انخفاضًا في دخل العملات الأجنبية، وفجوة مستمرة في سعر الصرف، وتدهورًا في الخدمات العامة. وانخفاض عائدات التصدير بشكل حاد[1].
خلال مطلع عام 2025، شهد الوضع الاقتصادي في فنزويلا ظروفًا بالغة الصعوبة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين وعدم الاستقرار. فبالإضافة إلى توتر العلاقات مع إدارة الرئيس ترامب الجديدة، فان المسار غير المواتي لسوق النفط إلى مزيد من تآكل القدرة التنافسية المتدنية أصلًا لفنزويلا كمنتج للموارد الهيدروكربونية. وفي الوقت نفسه، تفاقم عدم الاستقرار السياسي الداخلي نتيجة للطعون في شرعية نتائج انتخابات تموز/يوليو 2024، وتصاعد التوترات الحدودية مع غيانا، وتجدد الدورة الانتخابية السياسية، وتفاقم التحديات المتعلقة بتغير المناخ. وتأتي هذه الديناميكيات في ظل قدرة سياسية ومؤسسية محدودة على استيعاب مثل هذه الصدمات السلبية، فضلًا عن عجز الاقتصاد المحلي التام عن تحقيق نمو مستدام في مثل هذه البيئة المضطربة[2].
ثالثا: المصالح الاقتصادية الأمريكية في فنزويلا
ان المصالح الامريكية في فنزويلا ممكن ان نستشفها بوضوح من خلال تصريح الرئيس الأمريكي ترامب بأن الولايات المتحدة ستسيطر على احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا، وستستقطب شركات أمريكية لاستثمار مليارات الدولارات لإعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي المتهالك. و وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. فان المخزون النفطي في فنزويلا سيلعب دوراً محورياً في مستقبل البلاد. كذلك صرح الرئيس الأمريكي بان الولايات المتحدة سترسل شركات النفط الأمريكية العملاقة التي تعد الأكبر في العالم، لإنفاق مليارات الدولارات، وإصلاح البنية التحتية النفطية المتهالكة[3]. وكذلك هنالك رواسب كبيرة من الذهب والعناصر الأرضية النادرة وغيرها من المعادن الحيوية في فنزويلا الامر الذي يزيد من رغبة الولايات المتحدة في السيطرة عليها. وقد أظهرت التوترات مع الصين الأهمية البالغة لهذه المعادن، التي تُعد ضرورية للتصنيع التكنولوجي المتطور، بما في ذلك أنظمة الدفاع والأسلحة. وتتخلف الولايات المتحدة عن الصين في هذا المجال، لا سيما في القدرة على المعالجة. وقد أبدت شركات النفط الأمريكية العملاقة، مثل شيفرون وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس، اهتمامًا بالبنية التحتية النفطية والإنتاج في فنزويلا، حالما يتم تذليل العقبات السياسية والتنظيمية.
ومن المصالح الاقتصادية الامريكية في فنزويلا فان تعزيز العلاقات الاقتصادية مع فنزويلا، لا سيما في قطاع النفط، يدعم أهداف السياسة الخارجية الاقتصادية الأمريكية الأوسع نطاقًا، والتي تشمل الحفاظ على النفوذ في نصف الكرة الغربي، ومواجهة الوجود الاقتصادي للمنافسين، مثل الصين وروسيا، في الأسواق الفنزويلية، وتأمين تدفقات الإيرادات تحت إشراف الولايات المتحدة بما يخدم المصالح الأمريكية، والسيطرة الاستراتيجية على اقتصاد إقليمي رئيسي[4].
رابعا: العقوبات الاقتصادية كأداة للسياسة الأمريكية
شكّلت العقوبات الاقتصادية أداةً رئيسيةً في سياسة الولايات المتحدة تجاه فنزويلا، لا سيما خلال فترات التوتر السياسي والأزمات. وقد استخدمت الولايات المتحدة عقوباتٍ مُوجَّهة منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، وتوسّع نطاق هذه الإجراءات وتأثيرها بشكلٍ ملحوظٍ مع مرور الوقت. اذ بدأت الولايات المتحدة بفرض عقوباتٍ تتعلق بمزاعم التورط في تهريب المخدرات ومخاوف مكافحة الإرهاب في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية. ومع مرور الوقت، تمّ سنّ عقوباتٍ إضافيةٍ بموجب أوامر تنفيذية وتشريعاتٍ استهدفت مسؤولين فنزويليين، وشركة النفط الحكومية PDVSA والمعاملات المرتبطة بها، بهدف قطع مصادر دخلها الحيوية من العملات الأجنبية، وكذلك استهدفت قطاعاتٍ رئيسية اخرى في الاقتصاد. كما ان الولايات المتحدة ادعت تستهدف من وراء العقوبات مكافحة الفساد والتمويل غير المشروع، وهنالك عقوبات إضافية تستهدف الأفراد والكيانات المتورطة في الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الأنشطة غير القانونية وفقا للرواية الامريكية.
ان أهداف العقوبات الامريكية هي الضغط على الحكومة الفنزويلية من خلال تقييد الوصول إلى الأسواق المالية الأمريكية وتجميد الأصول، بهدف إضعاف قدرة الحكومة الفنزويلية على توليد الإيرادات وممارسة ضغط سياسي من أجل الإصلاحات الديمقراطية. ان تأثير العقوبات على الاقتصاد الفنزويلي كبيرا نتيجة تجميد الأصول، ومنع التعاملات مع الأشخاص الأمريكيين، وتقييد الديون والتدفقات المالية، ومنع الحكومة والشركات من الوصول إلى الأسواق الدولية. ويتولى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية OFAC عادةً تنفيذ هذه الإجراءات. وقد ساهمت العقوبات في انكماش اقتصادي كبير في فنزويلا، نظرًا لاعتماد البلاد على عائدات النفط[5].
خامسا: انعكاسات السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا
أسفرت السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا، بما في ذلك العقوبات والضغوط الاقتصادية والعمليات العسكرية الأخيرة، عن مجموعة من التداعيات واسعة النطاق على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية. أهمها:
1- التداعيات الاقتصادية على فنزويلا: أدت العقوبات الأمريكية التي استهدفت المسؤولين الفنزويليين والأنظمة المالية وشركة النفط الحكومية PDVSA إلى تقييد قدرة البلاد على تصدير النفط بشكل كبير. ولأن النفط يمثل عصب الاقتصاد الفنزويلي، فقد ساهمت هذه الإجراءات في تعميق الانكماش الاقتصادي والحد من الوصول إلى الأسواق العالمية.
2- التأثير على أسواق النفط والاستثمار: تؤثر الإجراءات الأمريكية على ديناميكيات الطاقة العالمية وسلوك المستثمرين. قد تجذب التدخلات التي تهدف إلى السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي أو إعادة تأهيله استثمارات أجنبية في نهاية المطاف، وتزيد الإنتاج، لكن من المرجح أن يستغرق التعافي الكامل سنوات ويتطلب رؤوس أموال كبيرة.
3- الهجرة والضغوط الاجتماعية: تشير الأبحاث إلى أن العقوبات الاقتصادية تُسهم في اضطراب عائدات النفط التي تموّل الواردات الأساسية، مما قد يُفاقم بدوره الصعوبات الاقتصادية ويزيد من الهجرة من فنزويلا التي تقدر بحوالي 8 مليون مهاجر.
4- الآثار الجيوسياسية والاستراتيجية: للسياسة الأمريكية تداعيات جيوسياسية أوسع نطاقًا، فهي تُوتر العلاقات مع الجهات الفاعلة الإقليمية وتُعقّد العلاقات مع قوى عالمية مثل الصين وروسيا، اللتين تربطهما علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع فنزويلا. كما أنها تُؤثر على ميزان القوى في نصف الكرة الغربي، وقد تُغيّر التحالفات والشراكات الاقتصادية.
5- الاستقرار الإقليمي والقانون الدولي: تُثير التدخلات والعقوبات العدوانية تساؤلات حول السيادة والأعراف الدولية والاستقرار الإقليمي. وقد انتقدت بعض الحكومات والمحللين الإجراءات التي تُعد أحادية الجانب، مُعتبرين إياها تُقوّض القانون الدولي وتُثير توترات دبلوماسية.
6- عدم اليقين في السوق والمخاطر العالمية: على الرغم من أن التأثيرات المباشرة على الأسواق العالمية قد تكون طفيفة على المدى القصير، إلا أن أنشطة الولايات المتحدة في فنزويلا تخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين، وتؤثر على أسعار النفط، وتقييمات المخاطر الجيوسياسية، مما يؤثر بدوره على أسواق السندات والسلع والعملات.
الخاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى أن السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا لا يمكن فهمها بمعزل عن الدوافع الاقتصادية الاستراتيجية التي تشكّل أحد المحركات الرئيسة لسلوك الولايات المتحدة في محيطها الإقليمي والدولي. فقد أظهرت النتائج أن الأهمية الاقتصادية لفنزويلا، ولا سيما امتلاكها لأكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في العالم، جعلتها محل اهتمام دائم للسياسة الخارجية الأمريكية، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي وتزايد حدة المنافسة الجيوسياسية مع قوى دولية أخرى.
وبيّنت الدراسة أن الولايات المتحدة اعتمدت مزيجًا من أدوات السياسة الخارجية الاقتصادية، شملت العقوبات الاقتصادية، والقيود المالية، والسيطرة على آليات التمويل والتجارة الدولية، فضلًا عن توظيف ملف الطاقة كورقة ضغط رئيسة، بهدف التأثير في التوجهات السياسية والاقتصادية لفنزويلا. وقد أسهم هذا النهج في إضعاف القدرات الإنتاجية للاقتصاد الفنزويلي، لا سيما في قطاع النفط، وأدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وانعكس سلبًا على مستويات المعيشة والاستقرار الداخلي.
كما توصلت الدراسة إلى أن العقوبات الاقتصادية، رغم كونها أداة أقل كلفة من التدخل العسكري المباشر، إلا أنها تترك آثارًا طويلة الأمد على بنية الاقتصاد الوطني، وتؤدي إلى اختلالات هيكلية عميقة، ولا سيما في الاقتصادات الريعية المعتمدة على مورد واحد. وفي المقابل، لم تُثبت هذه السياسات قدرتها على تحقيق أهدافها السياسية المعلنة بصورة حاسمة، بل أسهمت في تعقيد المشهد الإقليمي وتعزيز تدخل أطراف دولية منافسة في الشأن الفنزويلي، الامر الذي أدى الى تنفيذ العملية الخاصة من قبل الجيش الامركي واختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته ونقلهما الى الولايات المتحدة.
وفي ضوء ما تقدم، تؤكد الدراسة أن السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا تمثل نموذجًا واضحًا لتوظيف الأدوات الاقتصادية في خدمة الأهداف الجيوسياسية، وأن معالجة الأزمة الفنزويلية تتطلب مقاربات أكثر شمولًا تراعي الاعتبارات الاقتصادية والإنسانية جنبًا إلى جنب مع الأبعاد السياسية. كما تبرز الحاجة إلى اعتماد حلول تقوم على الحوار والتعاون الدولي، بما يضمن استقرار الاقتصاد الفنزويلي، ويحد من التداعيات الإقليمية والدولية الناتجة عن استمرار حالة عدم الاستقرار.
المصادر
1- Sarah Krulikowski , Economic Sanctions: An Overview, U.S. International Trade Commission, March 2024. https://www.usitc.gov/publications/332/executive_briefings/ebot_economic_sanctions_overview.pdf
2- OPEC, OPEC Annual Statistical Bulletin, 60th edition, 2025.
3- National Association of Manufacturers. Energy and Environment Policies. April 2020. https://nam.org/wp-content/uploads/2020/04/Energy-and-Environment-Policies.pdf
4- Luis Manuel Freites, Doing Business Venezuela, 2024.
5- Economic Report 2024/2025 Venezuela, August 1, 2025, P.1. https://www.seco.admin.ch/dam/seco/en/dokumente/Aussenwirtschaft/Wirtschaftsbeziehungen/L%C3%A4nderinformationen/Lateinamerika/wirtschaftsbericht_venezuela.pdf.download.pdf/Wirtschaftsbericht%20_Venezuela_2025%20extern.pdf
6- Economic Situation Report Venezuela, USAB, APRIL 2025.
7- David Goldman, Trump says US is taking control of Venezuela’s oil reserves. Here’s what it means, CNN Business, Jan 4, 2026. https://edition.cnn.com/2026/01/03/business/oil-gas-venezuela-maduro
8- Taylor McNeil, What’s Behind the U.S. Interest in Venezuela? Oil, Minerals, and Politics, Tufts Now, January 3, 2026. https://now.tufts.edu/2026/01/03/whats-behind-us-interest-venezuela-oil-minerals-and-politics
9- Diana Roy, Do U.S. Sanctions on Venezuela Work?, Council On Foreign Relations, November 4, 2022. https://www.cfr.org/in-brief/do-us-sanctions-venezuela-work
[1] Economic Report 2024/2025 Venezuela, August 1, 2025, P.1. https://www.seco.admin.ch/dam/seco/en/dokumente/Aussenwirtschaft/Wirtschaftsbeziehungen/L%C3%A4nderinformationen/Lateinamerika/wirtschaftsbericht_venezuela.pdf.download.pdf/Wirtschaftsbericht%20_Venezuela_2025%20extern.pdf
[2] Economic Situation Report Venezuela, USAB, APRIL 2025, P.1.
[3] David Goldman, Trump says US is taking control of Venezuela’s oil reserves. Here’s what it means, CNN Business, Jan 4, 2026. https://edition.cnn.com/2026/01/03/business/oil-gas-venezuela-maduro
[4] Taylor McNeil, What’s Behind the U.S. Interest in Venezuela? Oil, Minerals, and Politics, Tufts Now, January 3, 2026. https://now.tufts.edu/2026/01/03/whats-behind-us-interest-venezuela-oil-minerals-and-politics
[5] Diana Roy, Do U.S. Sanctions on Venezuela Work?, Council On Foreign Relations, November 4, 2022. https://www.cfr.org/in-brief/do-us-sanctions-venezuela-work


