“العبء الضريبي” في العراق: كيف نجبي الأموال من اقتصاد “الظل”؟

العبء الضريبي في العراق كيف نجبي الأموال من اقتصاد الظل؟
العبء الضريبي الحقيقي في العراق ليس منخفضاً كما تظهر الأرقام الإجمالية، بل يتركز على جزء ضئيل من القطاع الخاص المسجل، بينما يهرب الجزء الأكبر إلى الاقتصاد غير المنظم. الحل يكمن في توسيع القاعدة الضريبية عبر تحسين مناخ الأعمال ورفع الإنتاجية، لا في رفع النسب الضريبية....

عندما ننظر إلى الأرقام المجردة للاقتصاد العراقي، قد نقع في فخ الخداع البصري المعتاد. فوفقاً لبيانات وزارة التخطيط، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024 حاجز الـ 363 تريليون دينار، في حين لم تتجاوز الإيرادات الضريبية (بشقيها المباشر وغير المباشر) عتبة الـ 6 تريليونات دينار.

للوهلة الأولى، ستقول لغة الأرقام التقليدية أن “العبء الضريبي” في العراق لا يتجاوز 1.65%، وهي نسبة تكاد تكون معدومة عالمياً. ومن هنا، ينطلق الصوت التقليدي (والبيروقراطي) للمطالبة بزيادة الضرائب ورفع الرسوم لتعظيم إيرادات الدولة. ولكن، هل هذه هي الحقيقة؟ وهل الحل يكمن في “عصر” الاقتصاد أكثر؟

إن الاعتماد على الرقم الإجمالي (363 تريليون) هو خطأ استراتيجي في التحليل. علينا أولاً أن نستبعد الكتل المعصومة من الضريبة هيكلياً:

القطاع النفطي (37%): وهو ريع سيادي يذهب مباشرة للخزينة ولا يخضع لمنطق الضريبة.

القطاع الحكومي (22%): وهو عبارة عن رواتب وإنفاق تشغيلي، أي أن الدولة تدفع لنفسها.

بجمع هذين الرقمين، نكتشف أن ما يقارب 60% من حجم الاقتصاد هو خارج معادلة السوق الحقيقية. ما يتبقى لنا هو القطاع الخاص الهش الذي يمثل قرابة 41% (نحو 149 تريليون دينار). وعندما نقيس الـ 6 تريليونات ضريبة مقابل هذا الوعاء الحقيقي، ترتفع النسبة إلى 4% تقريباً. ورغم أنها لا تزال منخفضة، إلا أنها تخفي كارثة أكبر: إننا نفرض ضرائب على الجزء “المسجل” فقط من هذا القطاع، بينما يرتع الجزء الأكبر في الظل.

حتى داخل القطاع الخاص، هناك أرقام منفوخة لا تعبر عن قيمة حقيقية. خذوا القطاع الزراعي الذي سجل ناتجاً بحدود 12.3 تريليون دينار. الحقيقة المرة هي أن جزءاً كبيراً من هذا الرقم ليس “قيمة مضافة” خلقها المزارع، بل هو “فرق سعر” ناتج عن الدعم الحكومي الهائل للمحاصيل الزراعية (شراء بضعف السعر العالمي). نحن هنا أمام عملية تدوير لأموال النفط وتسجيلها محاسبياً كـ “ناتج زراعي”. لو رفعنا الدعم، لانهار هذا الرقم وانكشفت الهشاشة الإنتاجية.

الحل: تكبير الكعكة لا زيادة السكين

إن أي محاولة لزيادة الإيرادات عبر “رفع النسب الضريبية” في ظل هذا التشوه ستؤدي إلى نتيجة عكسية: سحق الشركات الملتزمة القليلة أصلاً، ودفع ما تبقى منها للهروب نحو الاقتصاد غير المنظم (Shadow Economy).

الحل الجذري الذي يجب أن نتبناه في رؤيتنا الاقتصادية القادمة يكمن في معادلة بسيطة: زيادة الحصيلة من خلال تعظيم الناتج، لا من خلال تعظيم الجباية.

تحسين بيئة الأعمال هو “الضريبة الخفية”: الشركات لا تتهرب من الضريبة لأنها “شريرة”، بل لأن كلفة “العمل النظامي” في العراق باهظة (روتين، بيروقراطية، ابتزاز). إذا جعلنا بيئة الأعمال جاذبة وسهلة، ستتحول آلاف الورش والمتاجر والشركات من “الاقتصاد الظل” إلى الاقتصاد الرسمي. دخولهم إلى الوعاء الضريبي -حتى بنسب منخفضة- سيضاعف الإيرادات تلقائياً دون الحاجة لمطاردتهم.

التحول من “الريع” إلى “الإنتاجية”: بدلاً من الفرح برقم 12 تريليون زراعي مدعوم، يجب أن نستثمر في تقنيات ترفع إنتاجية الدونم وتقلل الكلفة، ليصبح القطاع رابحاً بذاته ودافعاً للضرائب بدلاً من أن يكون مستهلكاً للموازنة.

لا يمكن ضبط إيقاع ضريبي في اقتصاد يعتمد “الكاش” بنسبة 90%. الحل يبدأ بالأتمتة والدفع الإلكتروني الذي يجعل التدفقات المالية مرئية، مما يسمح بفرض ضرائب عادلة وواقعية تتناسب مع الربح الحقيقي وهنا لا تكمن الحلول فقط في عملية فرض الدفع الالكتروني بل التشجيع بالذهاب نحو الدفع الالكتروني والتحفيز لهذه الالية .

إن هدف اي حكومة في السنوات الأربع القادمة لا يجب أن يكون “كم جبينَا من المواطن والتاجر”، بل “كم ساعدناهم ليربحوا أكثر”. عندما ينمو القطاع الخاص الحقيقي، وعندما تتحول الشركات الصغيرة إلى مؤسسات رابحة ، ستنمو الإيرادات الضريبية كتحصيل حاصل.

الضريبة هي حصاد الأرباح، ولا يمكننا أن نحصد في أرض لم نزرع فيها بيئة صالحة للنمو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *