منذ سقوط نظام صدام حسين، تعاقب على رئاسة الحكومة في العراق عدد من الشخصيات التي أُتيحت لها فرص كاملة، زمنية ودستورية وسياسية، لإدارة الدولة، وبناء مؤسساتها، وتثبيت أسس الاستقرار والسيادة والتنمية. وبعد أكثر من عقدين من التجربة، لم يعد السؤال الحقيقي: من يحكم العراق؟ بل: لماذا ما زال العراق يُدار بالعقليات ذاتها التي فشلت مرارًا؟
إن أي تقييم موضوعي لأداء الحكومات العراقية المتعاقبة يكشف حقيقة لا يمكن القفز فوقها: الإخفاق لم يكن عارضًا ولا ظرفيًا، بل بنيويًا ومكررًا. فالأزمات التي رافقت كل دورة حكومية — من الفساد المستشري، إلى انهيار الثقة بين الدولة والمجتمع، إلى ضعف القرار السيادي، إلى العجز عن بناء اقتصاد منتج أو مؤسسات مستقلة — لم تكن استثناءات، بل سمات ثابتة.
وهنا تبرز قاعدة سياسية عقلانية: من فشل في إدارة السلطة في ظروف صعبة، لن ينجح في إدارتها في ظروف أصعب. فالدولة العراقية اليوم أكثر تعقيدًا، وأكثر هشاشة، وأكثر عرضة للضغوط الداخلية والخارجية مما كانت عليه قبل عشر سنوات، وإعادة تكليف الشخصيات ذاتها لا تعني سوى إعادة إنتاج النتائج ذاتها، مهما تغيرت الشعارات أو تبدلت الخطابات.
إن رئاسة الحكومة في العراق ليست منصبًا تشريفيًا ولا موقعًا تجريبيًا، بل هي أخطر موقع تنفيذي في دولة تعاني من تصدعات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة. ومن غير المنطقي، وفق أي معيار إداري أو سياسي، إعادة شخصيات أثبتت التجربة عدم قدرتها على إدارة هذا العبء، أو تورطت — بالصمت أو الفعل — في منظومات المحاصصة والفساد والعجز المؤسسي.
التحول الحقيقي لا يبدأ بتغيير السياسات فقط، بل بتغيير العقل الحاكم. فالشخص الذي تشكل وعيه السياسي داخل منظومة الفشل، وتشابك مع مصالحها وشبكاتها، لا يمكنه أن يكون أداة قطيعة معها. ولهذا فإن الإصرار على تدوير الوجوه القديمة لا يمثل خيارًا آمنًا، بل تهديدًا مباشرًا لأي أمل بالإصلاح.
إن الحاجة اليوم ليست إلى “الأقوى” داخل الطبقة السياسية، بل إلى شخصية جديدة بالكامل: رجل أو امرأة لم يسبق لهما تولي رئاسة الحكومة، غير مثقلين بإرث الفشل، ولا مرتبطين بشبكات المصالح القديمة، وقادرين على النظر إلى الدولة بوصفها مشروعًا وطنيًا لا غنيمة سياسية.
تجارب الدول الخارجة من الأزمات تؤكد أن لحظات التحول الكبرى لا يصنعها حراس الماضي، بل القادمون من خارجه. فالتجديد في القيادة ليس مقامرة، بل ضرورة عقلانية حين تثبت التجربة أن الاستمرار يعني الانحدار.
إن الدفاع عن فكرة عدم إعادة أي رئيس حكومة سابق إلى المنصب ليس موقفًا شخصيًا ولا تصفية حسابات سياسية، بل موقفًا مبدئيًا يستند إلى منطق الدولة، وذاكرة التجربة، وحق المجتمع في عدم تكرار الأخطاء نفسها تحت مسميات مختلفة.
وفي بلد دفع أثمانًا باهظة نتيجة الفشل المتراكم، يصبح التغيير الحقيقي واجبًا وطنيًا، لا خيارًا تفاوضيًا.


