قبل 20 عام تقريبا، مازلت اذكر أول عام دراسي لي في قسم التأريخ، عندما افتتح الدكتور (حسين البهادلي) محاضرته بالقول: التاريخ يكتبه المنتصرون.
لم أعِ وقتها الملابسات والتعقيدات التاريخية، ولم افهم كذلك لِمٓ كانت هذه العبارة أعلاه اول مفتتح درسنا في مادة منهج البحث التأريخي. إلا بعد سنين من القراءة والتأمل!!
نقوم في كل لحظة من حياتنا بفاعليات جسدية وعقلية، ونشارك في أعمال متعددة، كما أننا نشاهد ونسمع ونقرأ عن احداث، فنهتم بقسم منها ونهمل قسما اخر، نتذكر قسما منها، وننسى قسما آخر. لكن ما نحفظه في ذاكرتنا ليس الحدث كما وقع فعليا، بل وصفا له يتشكل في أذهاننا بحسب قدرتنا الفكرية على فهمه من خلال الصورة التي نشاهده فيها أو الكلمات التي نسمعها أو نقرأها عنه… ومن ثم تبقى هذه كلها عاجزة عن نقل الحدث بشموليته (قيس ماضي، المعرفة التاريخية في الغرب، ص22).
ولا يبقى الأمر عند هذا الحد فحسب، بل يضاف له التحيزات والتفضيلات الشخصية من قناعات فكرية، وانفعالات نفسية. فضلا عن المناخ الثقافي أو الأيديولوجي السائد. لتصل إلى نتيجة تقول لك إن “الحدث التاريخي” لم يكن وثيقة كي تكشف حقيقته بالفحص النقدي فقط، أو دوافع ذاتية تكشفها فحسب، كتسلط شخصية طاغية فعلت كذا وكذا، بل للحدث دوافع موضوعية ايضا تشكله. من سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وتداعياتها من تفاصيل قد تغيب عن إدراك الناس البسيطة. كما لا يمكن تقليل شأن الإطار العقلي الذي يرى العالم من منظاره.
ولهذا وجد شبه إجماع عند المختصين والمهتمين في الشأن التاريخي، أن الحقيقة في التاريخ نسبية مهما كانت التأكيدات، وبعضهم لا يوافق تسمية “حقيقة/حقائق” ويفضل بدلا منها “واقعة/وقائع” فيقال وقائع تاريخية، أو حدث تاريخي، ولا يقال حقيقة تاريخية. من اجل الموضوعية والحياد العلمي. وبناء على الطرح العلمي هذا، يتوجب النقد فيما كتب، ورصد التحريف أو التزييف التاريخي، وفضحه وتفنيده.
والطريف في الأمر حينما تسأل غير المختصين/المهتمين عن شأن التاريخ، يجيبونك أنهم يكرهون التاريخ، ولا طاقة لهم به، كونه -حسب وصفهم- موضوع جاف وممل، بل إنه كذب كله ومضيعة لوقت يمكن أن نقرأ فيه ماهو افضل وأنفع. وما دروا أن ما نعيشه اليوم مثلا على ثقله وبؤسه في عالمنا العربي والاسلامي، سيكون تاريخا بعد عقود من الزمن!.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما علاقة هذا بالكيان !؟
وهل من دواع جديدة للبحث في هذه المعضلة؟
ربما يحاجج من يجد في نفسه الكفاءة أن موضوعة الكيان قد استهلكت بحثا ونقدا وتفنيدا، ولا حاجة إلى إعادة التساؤلات ولا تقويم النتائج. ومن جهة أخرى يجد الباحث ضرورة إلى تفكيك وتركيب الأحداث، ونقد جديد لم يكن متاحا فيما سبق. إننا في هذه المهمة كمن يسير على أرض الألغام التاريخية، المعبأة بالعواطف الشديدة، وعليه الخوض والتعاطي مع المجريات بعقل بارد، ويعطل هذه الألغام، لا أن يفجرها على نفسه فيُقتل، ويقتِل معه وقائع يراد طمسها عمدا أو إهمالا. مجهزين بالادوات العلمية اللازمة، والمنهج التاريخي الوصفي والتحليلي والنقدي، مع أولوية الحفر الاركيولوجي الفوكوي (نسبة إلى الفيلسوف ميشيل فوكو).
ابدأ بوثيقة بين يدي لم يسلط عليها الضوء بما يكفي، مؤرخة بتأريخ 3 كانون الثاني 1919، وهي متوفرة على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية*، فيها اتفاقية بين الأمير فيصل وحاييم وايزمن بشأن فلسطين. وقد جاءت عقب حوالي 13 شهرا من وعد بلفور الذي صدر في 2 تشرين الثاني 1917. وقبل ذهابه إلى مؤتمر الصلح في باريس ليعرض على المنتصرين في الحرب العالمية الأولى(1914-1918) مطالب العرب وحقوقهم، حيث وصلها في 15 يناير 1919.
في هذه الوثيقة تسع نقاط، وأبرز ما جاء فيها :
1- يجب أن يسود جميع علاقات والتزامات الدولة العربية وفلسطين أقصى النوايا الحسنة، والتفاهم المخلص للوصول إلى هذه الغاية. تؤسس ويحتفظ بوكالات عربية ويه..ودية معتمدة حسب الأصول في بلد كل منهما.
2- تحدد بعد اتمام مشاورات مؤتمر السلام[الصلح] مباشرة الحدود النهائية بين الدول العربية وفلسطين من قبل لجنة يتفق على تعيينها من قبل الطرفين المتعاقدين.
3- عند إنشاء دستور إدارة فلسطين تتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من شهر نوفمبر [تشرين الثاني] 1917.
4- يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة الي..هودية إلى فلسطين على مدى واسع والحث عليها وبأقصى ما يمكن من السرعة لاستقرار المهاجرين في الأرض عن طريق الاسكان الواسع والزراعة الكثيفة. ولدى اتخاذ مثل هذه الإجراءات يجب أن تحفظ حقوق الفلاحين والمزارعين المستأجرين العرب ويجب أن يساعدوا في سيرهم نحو التقدم الاقتصادي.
5- يجب أن لا يسن نظام أو قانون يمنع أو يتدخل بأي طريقة ما في ممارسة الحرية الدينية ويجب أن يسمح على الدوام أيضا بحرية ممارسة العقيدة الدينية والقيام بالعبادات دون تمييز أو تفضيل ويجب أن لا يطالب قط بشروط دينية لممارسة الحقوق المدنية أو السياسية.
6- إن الاماكن الإسلامية المقدسة يجب أن توضع تحت رقابة المسلمين.
7- تقترح المنظمة الص هيونية أن ترسل الى فلسطين لجنة من الخبراء لتقوم بدراسة الإمكانات الاقتصادية للبلاد وأن تقدم تقريرا عن احسن الوسائل للنهوض بها وستضع المنظمة الصهيونية اللجنة المذكورة تحت تصرف الدولة العربية … .
8- يوافق الفريقان المتعاقدان أن يعملا بالاتفاق والتفاهم التامين في جميع الأمور التي شملتها هذه الاتفاقية لدى مؤتمر الصلح.
9- كل نزاع قد يثار بين الفريقين المتنازعين يجب أن يحال إلى الحكومة البريطانية للتحكيم.
وقع في لندن انجلترا في اليوم الثالث من شهر يناير 1919.
وأرفقت هذه الوثيقة بتحفظات فيصل فترجمت عن الإنكليزية جاء فيها:
يجب علي أن اوافق على المواد المذكورة أعلاه بشرط أن يحصل العرب على استقلالهم كما طلبت مذكرتي المؤرخة في الرابع من شهر يناير سنة 1919 المرسلة إلى وزارة خارجية حكومة بريطانيا العظمى. ولكن إذا وقع أقل تعديل أو تحويل (يقصد بما يتعلق بالمطالب الواردة بالمذكرة) فيجب أن لا أكون عندها مقيدا بأي كلمة وردت في هذه الاتفاقية التي يجب اعتبارها ملغاة لا شأن ولا قيمة قانونية لها… . والملاحظ أن هذه التحفظات لم تكن أثناء توقيع الاتفاقية بل بعدها بيوم واحد.
لم يكن للعرب آنذاك دولة، كما هو الحال عند الكيان. إلا أن المسألة اليه..ودية أقدم من ذلك بكثير، على ألاقل منذ ظهرت كمفهوم وصياغة سياسية واجتماعية بشكل بارز خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا، بالتزامن مع التحولات الكبرى التي شهدتها المجتمعات الأوروبية في مجالات السياسة والاقتصاد والفكر.
فقد كتب ونشر الفيلسوف والناقد الاقتصادي اليه..ودي كارل ماركس “حول المسألة اليهودية” في العام 1843-1844، في مجلة الحوليات الفرنسية. وذكر أن المال هو إله اسرائ..يل الذي لا ينبغي أن يوجد أمامه اله آخر. وبعد نصف قرن، وتحديدا في العام 1896 نشر الكاتب النمساوي، والناشط السياسي اليهودي، ثيودور هرتزل كتابه الدولة اليه..ودية. وقال في مقدمته: إن العالم يردد صيحات صاخبة ضد اليه..ود، وهذه الصيحات هي التي أيقظت الفكرة[الصه…يونية] من سباتها.
وكتب في التمهيد منه: لقد حاول مخلصين في كل مكان أن نندمج في الحياة الإجتماعية للمجتمعات المحيطة بنا، وأن نحافط فقط على عقيدة ابائنا ولكن لم يسمح لنا بذلك. وقد كرر كثيرا العداء للسامية، واقترح منطقتان للاستيطان هما فلسطين والأرجنتين.
رأى هرتزل أن فلسطين خيار طبيعي بسبب ارتباط اليهود التاريخي والديني بها. وأن هذا الاستيطان سيحظى بدعم من القوى الأوروبية، خصوصًا بريطانيا، نظرًا لأهمية فلسطين الاستراتيجية وقربها من قناة السويس. استمر النقاش حول بدائل فلسطين، وظهر خيار أوغندا في “مؤتمر بازل السادس” للحركة الصه.. يونية في العام 1903، لكنه قوبل بمعارضة شديدة من معظم الص هاينة لابتعاده عن فلسطين كأرض تاريخية ودينية.
والملاحظ أن مؤسسي الصه/يونية كانوا في الغالب علمانيين وليسوا متدينين، وكانت الحركة الصه/يونية في بداياتها حركة سياسية واجتماعية علمانية تهدف إلى إنشاء وطن قومي لليه/ود، استجابة للمشاكل التي واجهوها في أوروبا، مثل الاضطهاد، المعاداة للسامية، والتمييز العنصري. ومع ذلك، استندت بعض أفكارهم إلى الرموز الدينية والثقافية اليهودية لإضفاء شرعية على مشروعهم، دون أن يكون الدين هو المحرك الأساسي. امثال هرتزل، ووايزمن، وماكس نورداو.
وقد وسع هرتزل تواصله مع عدد من شخصيات الدول الأوربية. والشرق أوسطية. من أجل الاعتراف بمطالب الحركة الصه/يونية، أو إنشاء دولة يه/ودية في فلسطين، أو سيناء. منها رسالته لقيصر المانيا في العام 1898، ورسالته إلى جوزيف تشامبرلين وهو سياسي بريطاني في العام 1902. ومثلها إلى رئيس بلدية القدس يوسف الخالدي**، وعن مقابلته السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في العام 1901. ومذكرته إلى وزير خارجية ايطاليا في العام 1904. وكان له دور كبير في ضبط الايقاع بين التيارات الدينية والتيارات العلمانية في المؤتمر الصه/يوني الرابع الذي عقد في آب من العام 1900 بلندن.
في المقابل، كان الأمير فيصل والقادة العرب يبحثون لهم عن دولة تمثل تطلعاتهم القومية، وهم ينسلخون من إمبراطورية عثمانية جعلتهم تبعا على الدوام، ولاسيما بعد أن استلم الحكم جماعة الاتحاد والترقي. ولم يكن للقادة العرب هؤلاء فكرة دولة على أسس دينية، على الرغم من اعتزازهم بالاماكن المقدسة كمكة والمدينة والقدس. فحتى الشريف حسين في مراسلاته مع هنري مكماهون (1915-1916) لم يشر إلى ذلك، بل طالب باستقلال العرب، وحماية الاماكن المقدسة، ولم يطرح نفسه كخليفة إلا بعد أن عزل منصب الخليفة في تركيا في العام 1924.
يتبع…
* ملف وثائق فلسطين: مجموعة وثائق وأوراق خاصة بالقضية الفلسطينية، الجزء الاول من عام 637 إلى 1949( القاهرة: وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، 1969)، ص 251-252.
** أيوب، يوسف” وثائق أساسية في الصراع العربي الصه/يوني، الجزء الاول، مرحلة الارهاصات” (بيروت: دار الحداثة، ط1، 1984)، ص186-188.
ملحوظة: كل الرسائل والمذكرات التي وردت أعلاه متوفرة على الموقع الإلكتروني لمؤسسة الدراسات الفلسطينية على شبكة الإنترنت.


