تحذيرات ترتفع وصوت الصراع يعود للواجهة
يطلّ هذا السيناريو برأسه في الخطاب السياسي كلما ارتفعت حدة التحذيرات من انزلاق المنطقة إلى صراع تتداخل فيه القوى الدولية والإقليمية، وسط أجواء غير مستقرة وتوترات تتصاعد على أكثر من محور.
ومع زيارة مبعوث ترامب وتصريحاته اللافتة التي أكد فيها أن إيران “تحكم العراق”، وأن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني “مقيّد بشبكات قوية لا يمكن قطع وثاقها بسهولة”، عاد الجدل بقوة حول حجم النفوذ الخارجي داخل بغداد، وحول قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة تعكس مصالحها الحقيقية.
نفوذ خارجي يضغط على بغداد ويعيد الأسئلة القديمة
لم يُخفِ المبعوث الأمريكي انتقاده لوضع العراق الحالي، مشيراً إلى أن المشهد السياسي يبدو محكوماً بتوازنات شديدة التعقيد، تجعل إدارة الدولة محاصَرة بضغوط خارجية من جهة، وثقل داخلي من جهة أخرى، يتشابك فيه السياسي بالطائفي وبالاقتصادي.
هذا الواقع يعيد العراقيين إلى السؤال القديم الجديد:
هل تمتلك بغداد بالفعل حرية القرار، أم أنها تتحرك ضمن إطار مرسوم من قوى لا تريد للعراق أن يستعيد سيادته الكاملة؟
ذكريات البلقان… تشابه قد يكون مقلقاً
هذا الخطاب لا يأتي من فراغ، إذ يعيد إلى الأذهان تجربة الانفلات التدريجي الذي عاشته دول البلقان قبل تفكك يوغوسلافيا، حين تصارعت القوى الإقليمية والدولية على النفوذ، وتركت الداخل يغلي بصراعات الهوية والخلافات القومية والاقتصادية.
فشلُ الدولة في احتواء هذه الصراعات أدى إلى انهيار شامل، تحوّل فيه البلد من كيان موحد إلى ساحات حرب متفرقة.
ومع أن الظروف ليست متطابقة، إلا أن التشابه في ملامح التدخل الخارجي وضعف القرار الداخلي يدفع البعض للتحذير من مسار مشابه.
حكومة بين رغبة الاستقلال وواقع القيود الثقيلة
ويرى مراقبون أن العراق اليوم يقف على حافة اختبار صعب، فالحكومة تحاول إظهار استقلاليتها وسيطرتها على القرار الوطني، لكنها تواجه واقعاً مركّباً تتراكم فيه القيود يوماً بعد آخر.
فالنفوذ السياسي للمجموعات المسلحة، والضغوط الاقتصادية العميقة، والتحديات الاجتماعية، جميعها تضع القرار العراقي في مساحة ضيقة لا يمكن الخروج منها دون توافقات معقدة مع أطراف خارجية.
وكلما زادت هذه القيود، بدا الطريق نحو السيادة الكاملة أكثر صعوبة.
التوتر الإقليمي ينعكس خوفاً داخل الشارع العراقي
ومع ارتفاع منسوب التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يزداد القلق في الشارع العراقي الذي يخشى أن يتحول بلده إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
فالناس يتابعون التصريحات والمواقف بعيون قلقة، ويخشون أن تتحول هذه الرسائل السياسية إلى مواجهات مباشرة على الأرض، خصوصاً في ظل هشاشة البنية الأمنية والانقسامات الداخلية.
ومع غياب رؤية واضحة، يصبح العراق مكشوفاً أمام أي موجة جديدة من الصراع الإقليمي.
العراق بين خيار الدولة أو خيار الفوضى
وبين إعلان مبعوث ترامب، وتحركات واشنطن المتسارعة، وسعي طهران لتثبيت وجودها ونفوذها داخل مؤسسات الدولة، يبقى العراق أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما ترميم مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها الحقيقية،
أو الانزلاق نحو مسار يشبه سيناريوهات تاريخية مؤلمة شهدتها المنطقة والعالم، حيث تتحول الدولة إلى “مسرح للصراع” بدل أن تكون إطاراً للاستقرار والتنمية.
الشعب… الضحية الدائمة لصراعات الكبار
وبين هذه وتلك يبقى الشعب هو من يدفع الثمن، في ظل التخبط والخلافات السياسية التي أنهكت حضارة كانت الأولى في عصرها، وجعلت العراقيين يعيشون قلق المستقبل بدل استثمار ثروات بلدهم ومقدراته.



