سوريا بعد عام على التغيير ومسار الواقع وتحديات المستقبل

سوريا بعد عام على التغيير ومسار الواقع وتحديات المستقبل
بعد عام على التغيير، تبدو سوريا أمام واقع هشّ يجمع بين تراجع نسبي للقتال وتعمّق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فيما يبقى مستقبلها رهين التفاهمات السياسية وإعادة بناء الدولة والمجتمع ضمن مرحلة انتقالية طويلة ومعقدة....

بعد مرور عام على ما اصطلح على تسميته بـالتغيير في سوريا، تبدو الساحة السورية أمام لحظة تقييم دقيقة، لا تخلو من التعقيد ولا من الحاجة إلى قراءة متأنية لما تحقق وما تعثر، ولما يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة من ملامح جديدة . فالاحتفاء بعبور عام كامل لم يكن احتفالًا بالمعنى الاحتفالي، بقدر ما كان تأكيداً على أن الزمن، مهما طال عليه الألم، ما زال قادراً على فتح نافذة ضوء في جدار الأزمة . #ما يحتفل به على أنه انتصار للثورة على نظام فاسد أصبح اليوم انتصارا على الشعب و إدخاله في نفق مظلم و أشد فسادا .. ليبقى السؤال حاضرا اين هي أهداف الثورة الحقيقية التي تحركت لمحاربة حزب فاسد و منظومة فاسدة و ظالمة على أبناء شعبها و ها قد مر عام على هذا الانتصار ارتكب فيه أشد أنواع الإجرام و الاجحاف الذي ارتكبته المنظومة السابقة على مدار خمسة عقود . لقد شهدت البلاد خلال هذا العام تحولات متفاوتة الوتيرة.

فمن جهة، أتاح الانخفاض النسبي في مستوى العمليات العسكرية مجالًا لالتقاط الأنفاس واستعادة شيء من الاستقرار الأمني في عدد من المناطق، وهو استقرار لا يزال هشًا لكنه أسهم في تهدئة المشهد العام. ومن جهة أخرى، بدأت مسارات الانفتاح السياسي العربي تتشكل ببطء، في محاولة لإعادة سوريا إلى محيطها الطبيعي، إلا أن هذه المقاربات بقيت محكومة بموازين القوى ومتطلبات التفاهمات الدولية التي لم تكتمل بعد .

#تخضع هذه المسارات لمجموعة من التوازنات التي تتصارع عليها الدول العظمى و دول الجوار لتحقق نفوذها و تربط مصالحها بالأرض ريثما تتشكل عمليه إعادة سوريا لموقعها الطبيعي الذي رسمته متطلبات التفاهمات الدولية دون العلن . ومع أن العام المنصرم حمل إشارات خجولة إلى تحسن موضعي في بعض القطاعات، إلا أن الاقتصاد السوري ما يزال يرزح تحت وطأة العقوبات، ونقص الموارد، وتراجع البنية الإنتاجية، ما جعل المواطن يعيش بين ضغوط المعيشة وقلة الخيارات. وهذا الواقع يعكس حقيقة لا يمكن تجاوزها .. أن الحرب، بما حملته من تشظي وانقسام وتدخلات خارجية، تركت أثراً يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى عمق المجتمع نفسه .

#وهذا الواقع الاقتصادي المتردي الذي انعكس على الوضع المعيشي استخدمته المنظومة القائدة الجديدة في تثبيت جسورها على السلطة في استغلال ممنهج لحاجة الفرد و نقص موارده لتقوم بتعزيز هذا التجويع من خلال عمليات الفصل التعسفي و التهجير الممنهج و السطو على الممتلكات و منحها لأفراد مختلفين بانتماءاتهم و ممن يدعمون المنظومة الجديدة المحررة و تبرر أفعالها تحت شعار من يحرر يقرر و تكم بها أفواه من يعترض ، ليعزز الانقسام الداخلي و يشتت الجمهور عن نفسه فيما ينعكس على المجتمع و يعزز الانقسام المبني على التوجه الطائفي و المذهبي و الديني حتى بلغ الفقر و الظلم أشده . وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تسمية الجرح كما هو .. فالدولة السورية لم تواجه حرباً داخلية فحسب، بل واجهت شبكة مترابطة من الفاعلين، من جماعات متطرفة وعصابات وفصائل مسلّحة ودول إقليمية ودولية تعاملت مع الساحة السورية باعتبارها مجالًا لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ .

هذا التشابك كان العامل الأكثر تأثيراً في حجم الدمار الذي أصاب المدن والبنى التحتية، وهو السبب الأبرز في إطالة عمر الأزمة ورفع كلفتها الإنسانية والسياسية .

أما المستقبل، فيبدو مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن المؤشرات الأولية توحي بأن البلاد تتجه نحو مرحلة انتقالية مطوّلة، قد تتسم بالهدوء النسبي دون أن تبلغ حدود التعافي الكامل. فالاستقرار المحتمل مرهون بمدى قدرة الأطراف الفاعلة على التوصل إلى تفاهمات سياسية حقيقية، وبإرادة إقليمية ودولية تُسهم في تخفيف الضغط وفتح الطريق أمام مشاريع إعادة الإعمار وعودة دورة الاقتصاد إلى حدّها الأدنى من الحيوية . #حتى تبدأ هذه المرحلة تستوجب عملية احتضان واسعة لكافة أطراف المجتمع السوري المتنوع و التي تحمل الكفاءات الفاعلة لإرساء قواعد المجتمع و بناء سوريا جديدة على أسس الالتزام و احترام فكر الآخر و بناء قانون و دستور جديد يتناسب مع تطور المجتمعات و يحترم الجميع فتبدأ مرحلة البناء من أصغر المؤسسات المتمثلة ببناء الإنسان إلى أكبر مؤسسة مسؤولة عن قيادة و بناء مجتمع و نظام جديد أكثر موضوعية و ديمقراطية .

في المحصّلة، يمكن القول إن مرور عام على التغيير ليس نهاية لمسار الأزمة ولا بداية لحل شامل، لكنه محطة لقراءة أعمق لواقعٍ يتبدل ببطء، ولبلدٍ يحاول استعادة توازنه وسط إرث ثقيل من الصراع. وستبقى سوريا بحاجة إلى وقت، وإلى توافقات أوسع، وإلى دعم صادق يضمن أن يكون التغيير فعلًا يُبنى عليه، لا مجرد عنوان يُحتفى به في لحظة زمنية عابرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *