صراع لاجل البقاء

صراع لاجل البقاء
يرصد النصّ تدهور الخطاب السياسي في الإعلام العربي وتحوّل البرامج إلى ساحات صراخ وانفعال، ما يعكس أزمة أعمق في الثقافة السياسية ويعمّق الانقسام، داعيًا إلى احترام الحوار وبناء وعي يعيد للإعلام دوره وللسياسة وقارها...

سابقاً كنّا نستغرب عندما نرى في إحدى حلقات قناة الجزيرة تلك المشاهد الصاخبة التي كان يحتدم فيها النقاش بين الضيوف إلى حدود غير متوقعة، تصل أحياناً إلى التلاسن والمشادات الكلامية، بل وربما إلى عراكٍ يفقد فيه الحوار معناه ويضيع معه أصل الفكرة. كنّا نعتقد أن ما يحدث مجرد شذوذ إعلامي، حالة استثنائية تُستخدم لجذب المشاهدين وإحداث ضجة مؤقتة، وأن الإعلام العربي سيظل محتفظاً بقدر من الاتزان مهما اشتد الخلاف . لكن المفاجأة أن هذا النموذج، الذي كنّا نستهجنه ونراه غريباً، أصبح اليوم هو القاعدة لا الاستثناء. فقد تحولت أغلب البرامج السياسية في عالمنا العربي إلى ساحات مواجهة لا منصات نقاش، وإلى ميادين لتصفية الحسابات لا لعرض الأفكار، حتى غاب صوت العقل وسط زحام الشتائم، وضاع التحليل الرصين تحت ركام المزايدات والاتهامات، وأصبحت الشخصيات التي تُستضاف لا تمثل النخبة بل تمثل الانفعال الخام والموقف المتشنج .

لقد صار المشاهد العربي، الذي يبحث عن المعلومة والرؤيا، يجد نفسه أسيرًا لجلبةٍ لا تنتهي، وصخبٍ يعلو على كل قيمة معرفية. وبدلاً من أن تكون البرامج السياسية أدوات لفهم الواقع، أصبحت آلات لإعادة إنتاج الخلاف وتحفيز الغضب.

تغيب البيانات الدقيقة، ويتوارى المنطق، بينما يسطع نجم الأصوات العالية التي لا تجيد إلا الهجوم والتهويل. إنه سقوط واضح في مستوى الخطاب السياسي، وانحدار أخلاقي قبل أن يكون مهنيًا. وما يزيد الصورة قتامة أن هذا الانهيار الإعلامي يعكس – وربما يعمّق – أزمة أوسع في بنية الثقافة السياسية العربية. فحين تتراجع قيمة الفكرة ويعلو صوت السباب، يصبح الجمهور نفسه جزءًا من هذه الدوامة، يستهلك الانفعال كما يستهلك الإعلان، ويتطبع مع التوتر كما لو كان واقعاً طبيعيًا. تتحول الجماهير إلى قطيع انفعالات، تتقاذفه الشاشات ولا يجد أمامه سوى الانحياز إلى طرف ضد آخر، دون وعي بما يجري خلف الستار .

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد فوضى إعلامية، بل سياسة رعناء فقدت وقارها، وأصبحت رهينة الإثارة السطحية بدل التفكير المتزن. سياسة لا تصنع رأيًا عامًا ناضجًا، بل تغذي الانقسام وتفتت الوعي وتعمّق الفجوات بين الناس. وحين يصبح الجدل هدفًا بحد ذاته، وتتحول البرامج إلى معارك صراخ، فاعلم أن البيئة السياسية كلها تمر بمرحلة خلل عميق يحتاج إلى وقفة مراجعة لا إلى مزيد من الأصوات العالية . لقد آن الأوان لنقول إن ما يعرض علينا ليس نقاشًا سياسيًا، بل صورة مشوهة للسياسة، صورة تفتقر إلى الأخلاق قبل أن تفتقر إلى المهنية.

ولن يتغير هذا المشهد ما لم يدرك الجمهور أولاً أنه يستحق خطابًا أفضل، وأن الإعلام لا يرقى إلا عندما يرفض الناس الانحطاط ولا يتعاملون معه كترفيه. وإن أول خطوة في الإصلاح أن نعود إلى احترام الكلمة، وإلى الحوار الذي ينهض بالفكرة لا يهدمها، وإلى إعلام يُسهم في بناء وعي لا في صناعة الفوضى . هكذا فقط نعيد للسياسة هيبتها، وللإعلام دوره، وللخطاب العام قيمته، في زمن كاد فيه الضجيج أن يبتلع كل شيء ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *