تطلعات الحكومة القادمة

يتناول الوضع السياسي بعد الانتخابات عبر تحليل تحدّي احتواء الفصائل المسلحة وبناء دولة ذات سلطة موحّدة، مع التأكيد على ضرورة الدعم الشعبي والبرلماني، وإرادة سياسية وطنية، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية لترسيخ هيبة الدولة....

بعد انتهاء الانتخابات العراقية، يبرز تساؤل كبير يفرض نفسه على المشهد السياسي: هل ستستطيع الحكومة الجديدة الحد من نفوذ الفصائل المسلحة وتحيدها، لتكون قادرة على بناء دولة خالية من السلاح المنفلت؟ هذه المسألة تعد من أعقد القضايا التي تواجه أي حكومة عراقية قادمة لأنها ترتبط بتوازنات داخلية وخارجية، وبمصالح قوى سياسية تمتلك السلاح والنفوذ والمال.

 

ازدواجية السلطة والتحديات أمام الحكومة القادمة

العراق منذ سنوات يعيش حالة ازدواجية في السلطة بين الدولة الرسمية والفصائل التي تمتلك قوتها الخاصة، وتتحرك أحيانًا خارج إرادة الحكومة. مما جعل مفهوم السيادة محل جدل واسع، فقد فقدت الحكومة الكثير من هيبتها أمام فصائل مسلحة تسيطر على الأرض وتتمتع بقدرات سياسية وعسكرية تجعلها لاعبًا رئيسيًا في المشهد. هذه الفصائل ليست فقط عناصر أمنية بل هي جزء من المنظومة السياسية، وهو ما يزيد من تعقيد أي مسعى نحو بناء الدولة الموحدة.

إن الحكومة الجديدة ستكون أمام خيارين. أحلاهما مرّ: إما المواجهة مع الفصائل، وهذا يعني الدخول في صدام قد يعيد البلاد إلى دوامة الفوضى، أو انتهاج سياسة الاحتواء والدمج التدريجي عبر إصلاحات قانونية وأمنية تجعل الفصائل جزءًا من المؤسسة العسكرية الرسمية، وتمنعها من العمل السياسي المسلح.

 

دعم شعبي وبرلماني وإقليمي للمضي قدمًا

وفي كلا الخيارين، تحتاج الحكومة إلى دعم شعبي وبرلماني وإقليمي حتى تستطيع تنفيذ قراراتها من دون أن تواجه مقاومة داخلية أو تهديدًا لأمنها السياسي. فلا يمكن لأي حكومة أن تنجح في مواجهة هذه الفصائل دون أن تستند إلى قاعدة شعبية عريضة تقف إلى جانبها، وإلا فإنها ستجد نفسها في مواجهة تحديات قد تفقدها السيطرة على الأرض وتعرضها للانقسام الداخلي.

في الوقت نفسه، فإن الدعم البرلماني يعتبر خطوة ضرورية من أجل ضمان تنفيذ القرارات القانونية التي تتعلق بنزع السلاح من الفصائل المسلحة، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية. تحتاج الحكومة القادمة إلى تحالفات مع القوى السياسية التي تملك نفوذًا داخل البرلمان لتحقيق أكبر قدر من التأثير، ما يساعدها على تجنب التصعيد والصراعات الداخلية.

 

إرادة الدولة والمشروع الوطني الموحد

التحدي الأكبر يكمن في إرادة الدولة. فالقدرة على نزع السلاح لا تتعلق بالقوة العسكرية وحدها، بل بوجود إرادة حقيقية لدى القوى السياسية للاتفاق على مشروع وطني موحد. يضع مصلحة العراق فوق المصالح الفئوية. فبناء دولة خالية من الفصائل المسلحة يعني إعادة الثقة بالمؤسسات الأمنية وإغلاق ملفات الاغتيالات والابتزاز والسيطرة على المنافذ والحدود.

هذه الملفات المعقدة تراكمت عبر سنوات من الانقسام والصراعات، وأصبحت عقبات رئيسية في طريق بناء الدولة العراقية المستقرة. لا يمكن علاج هذه القضايا إلا من خلال مشروع سياسي يعترف بتجاوزات الماضي ويضع أسسًا قوية للمستقبل، بحيث يتمكن العراقيون من العيش في بيئة آمنة ومستقرة بعيدة عن الهيمنة السياسية أو الأمنية لأي فصيل مسلح.

 

فرض هيبة الدولة وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية

الشارع العراقي ينتظر من الحكومة القادمة أن تثبت قدرتها على فرض هيبة الدولة، من خلال خطوات واقعية تبدأ بضبط السلاح وتنتهي بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية على أسس مهنية، بعيدًا عن الولاءات الحزبية. فالعراق اليوم أمام فرصة حقيقية إما أن يستعيد دولته وهيبته وإما أن يبقى رهينة السلاح المتعدد والولاءات المتفرقة.

إن إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية في العراق ليست مجرد خطوة تقنية، بل هي عملية تهدف إلى بناء ثقة المواطنين في هذه المؤسسات بعد سنوات من التسييس والتدخلات الحزبية. فإذا استطاعت الحكومة القادمة بناء جهاز أمني يتسم بالكفاءة والحيادية، ستكون قد قطعت خطوة كبيرة نحو بناء الدولة القانونية.

 

رهان الحكومة على القيادة ورئيس الوزراء القادم

كل الأنظار تتجه نحو رئيس الوزراء القادم وكيف سيتعامل مع هذا الملف الشائك الذي يمثل مفترق طرق بين الدولة والفوضى. وقد تكون هذه أصعب مرحلة يمر بها العراق، حيث تتطلب الحكمة والقدرة على التعامل مع القضايا الأمنية الحساسة التي تهدد وحدة الدولة. في هذا السياق، يتعين على رئيس الوزراء القادم أن يكون حازمًا في اتخاذ قراراته، وأن يبني تحالفات متينة داخل البرلمان وخارجه.

في الوقت نفسه، يظل دور المواطن العراقي مهمًا في هذه المرحلة، لأن الشعب هو الذي منح الحكومات شرعيتها. وعليه أن يتحمل جزءًا من المسؤولية، من خلال دعم القرارات الجادة التي تساهم في بناء دولة مستقرة، وخالية من التبعية السياسية والعسكرية.

 

التعاون الوطني من أجل استقرار العراق

لذلك، وحبًا على الجميع، أن يُسندوا الدولة عبر التعاون ومدّ خطوط التواصل بين المجتمع وساسته. عندما تتوفر الشروط بوجه رئيس الوزراء القادم، تبقى المفاهيم كل حسب رأيه ومنطقه. وهذا جزء من الحرية التي تتمتع بها السلطة. القرار بيد السلطة وسلطة القرار هي الشعب، فالشعب هو من اختار تلك الحكومة وعليه تحمل جزء من المسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *