لم تكن ثلاث سنواتٍ من الحكم مجرد فترة سياسية عابرة، بل كانت مختبراً تاريخياً لاختبار الرجال، وامتحاناً حقيقياً لطبقات القيادة في بلدٍ لا يسمح للضعيف بأن يستتر خلف ضجيج الإعلام.
وفي هذا المختبر، ظهر كل شيء على حقيقته: ظهر من يملك صلابة الموقف، وظهر من يملك فقط صورةً خلف الكاميرا.
ظهر من يليق به أن يقف أمام العراق، وظهر من لا يستطيع الوقوف أمام مرآته دون أن يرتجف.
-
ولاية انتهت قبل أن تبدأ
رئاسة الوزراء لم تكن لك امتحان دولة، بل بدت كأنّها جسرٌ عبور نحو ولاية ثانية بنيت على حساب صبر الناس، وتعب الجبهات، وصمت الوطنيين.
لكن الجسر كان هشًّا، لأن أساسه لم يُبنَ على قرار سيادي، ولا على رؤية، ولا على مشروع، بل بُني على:
- سوء تقدير اللحظة،
- ثقة زائدة بلا رصيد،
- وإحاطة مليئة بصغار المكاتب الذين ظنوا أن الدولة غرفة اجتماعات.
وحين جاءت اللحظة، سقط الجسر، وسقط معه وهم الاستمرار.
-
أخطاء لا تشبه دولة… ولا تليق برئاسة وزراء
لم يسقط عهدك صدفة.
سقط لأنك اتخذت قرارات لا تصدر من رجل دولة، بل من مستشار مرتبك، أو من موظف لم يقرأ تاريخ العراق.
سقط عهدك حين صافحتَ الجولاني وكأن العراق بلا شهداء وبلا دم وبلا مقاومة وبلا ذاكرة.
أي قراءة سياسية تلك التي تجعل رئيس وزراء دولة بحجم العراق يذهب ضيفاً عند مشروعٍ استخباراتي؟
وأي دبلوماسية تلك التي تقفز فوق دم العراقي الذي قاتل الإرهاب؟
سقط عهدك حين ضيّقت على الجمهورية الإسلامية
تارة بالعقود، وتارة بالملفات، وتارة بالإيعازات الخفية، وكأن العلاقات الاستراتيجية تُدار بأمزجة الموظفين، لا بثوابت الجغرافيا والتاريخ.
سقط عهدك حين تركت الميزانيات تتوقف
فأوهمت الدولة أن الزمن متجمّد، وأن المؤسسات يمكن أن تبقى واقفة بلا مالية ولا حركة ولا رؤية.
سقط عهدك حين فتحت باب التجسس على الناس
وكأن العراق دفتر شخصي، وكأن المناصب تعطيك الحق بمراقبة خصومك، لا بإدارة دولتهم.
هذه ليست إدارة… هذا سقوط أخلاقي قبل أن يكون سقوطاً سياسياً.
وسقط عهدك حين سمحت لأشباح المكاتب أن تتحكم بقرارات سيادية، فأصبحت رئاسة الوزراء منصة لصغار، ومنقصة لكبار.
-
انهيار الصورة… قبل انهيار السلطة
لم يسقط عهدك بسبب خصومك، ولا بسبب معارك السياسة.
سقط لأنك اعتقدت أن الصورة أهم من الدولة، وأن الهدوء أهم من الحزم، وأن الظهور أهم من الإنجاز.
سقط لأنك صدّقت إعلاماً كان يلمّعك ليوم، ثم تركك غريباً في أول اختبار.
المسألة لم تكن معركة مقاعد… بل معركة هيبة.
والهيبة يا دولة الرئيس لا تُشترى، ولا تُفرض، ولا تُصنع… الهيبة تُختَبر.
وعندما جاء الاختبار، لم تبقَ لديك هيبة تستند إليها.
-
خسارة لم تكن خسارتك وحدك
للأسف… لم تدفع أنت ثمن خياراتك وحدك.
جُرَّت خلفك قبيلة كريمة لها تاريخ، ورجال، وبطولات، لا يستحقون أن تُعلَّق أخطاء الحكومة على صدورهم.
حُمّلت القبيلة ما لم تقرره، وشُوّهت لأجل مسار سياسي لم يكن منها.
وهذه واحدة من أكبر خطايا عهدك:
أنك وضعت عشيرتك في مواجهة خصوم الدولة، لا في جانب الدولة.
-
لماذا لم نهاجمك في البداية؟
انتقدناك بصوت منخفض، وكتبنا بنبرة هادئة، لأن النصيحة تُقال سراً قبل أن تُقال جهراً.
لكن حين تجاوزت حدود الدولة، وبدأت تُدار البلاد بعقلية العلاقات العامة، تحوّلت النصيحة إلى موقف.
اتهمني بعض الأقرباء، وشُوّه اسمي في وقت الانفعال… لكنني صبرت.
واليوم تظهر الحقيقة:
لم أسقطك أنا… بل سقطت أنت.
لم ننتصر نحن… بل انتصر العراق.
-
العراق أكبر من الجميع… وسيبقى
العراق يا دولة الرئيس لا يقوم برجل، ولا يسقط برجل، لكنه يسقط الرجال الذين لا يعرفون قيمته.
سقط من قبلك من ظنّ أن العراق سلمٌ إلى الخارج.
وسيسقط بعدك من يعتقد أن العراق مساحة نفوذ، لا دولة لها عمق حضاري وسيادي.
أنت لم تفهم العراق.
وتلك مشكلتك الرئيسة.
-
قبل أن تغادر… خطوة أخيرة تُحسَب لك
بقيت نصيحة أخيرة، قد تُعيد شيئاً من الوقار في الصفحة الأخيرة من عهدك:
اسحب الدعاوى التي رفعتها على أبناء بلدك.
لا لأنها ظالمة… بل لأنها عبء على دولة أنهكتها التجارب.
انسحب بشيء من الهدوء.
فالتاريخ لا يحاكم لحظة النهاية فقط، بل يحاكم طريقة الانسحاب.


