سباق الصغار: قراءة في دلالات تفتت الكتل البرلمانية وأثره على الديمقراطية العراقية

سباق الصغار: قراءة في دلالات تفتت الكتل البرلمانية وأثره على الديمقراطية العراقية
النتائج الانتخابية تكشف تفتتًا تشريعيًا حادًا في العراق، إذ لم تحصد أي كتلة غالبيّة، ما يحوّل مفهوم «الكتلة الأكبر» إلى أداة تفاوضية ويؤسس لنظام ائتلافي هشّ، يستبدل الحكم الاستراتيجي بإدارة يومية تواجه ضعفًا بنيويًّا في التجربة الديمقراطية....
تكشف النتائج الأولية للانتخابات العراقية عن خريطة سياسية غير مسبوقة من حيث حجم التفكك وتعدد الكتل المتوسطة والصغيرة، إذ جاءت أكبر كتلة حاصلة على المقاعد بـ46 نائبًا فقط، تليها كتل بمقاعد تتراوح بين 29 و27 و28، ثم عدد كبير من القوى التي تتوزع بين 18 و4 مقاعد. وفي نظام برلماني يتطلب تشكيل الحكومة الحصول على 165 مقعدًا (النصف زائد واحد من مجموع أعضاء مجلس النواب)، فإن أي كتلة لا تقترب حتى من ثلث هذا الرقم، الأمر الذي يجعل مفهوم «الكتلة الأكبر» ذاته يدخل مرحلة جديدة من الغموض والالتباس. إن أبرز ما تكشفه هذه الأرقام هو دخول الحياة البرلمانية العراقية في حالة «تفتيت تشريعي» واضح، بحيث لم تعد هناك قوة سياسية كبرى تستطيع الادعاء بأنها تمثل الاتجاه العام أو تمتلك القدرة على قيادة الدولة منفردة، بينما تتحول كل كتلة ـ مهما صغرت ـ إلى عنصر تفاوضي مؤثر في تشكيل الحكومات وإدامة توازناتها.

وهذا التفتيت لا يعكس تنوعًا سياسيًا حقيقيًا بقدر ما يعكس ضعفًا بنيويًا في الحياة الحزبية، ويكرس حالة من عدم الاستقرار السياسي، لأن الحكومة القادمة ستقوم على ائتلافات عريضة ومتشظية، قابلة للتفكك عند أول خلاف حقيقي في السياسات أو المصالح. وفي ضوء هذه الخريطة، يتعرض مفهوم «الكتلة الأكبر» إلى تحوّل جوهري، فهي لم تعد كتلة انتخابية نابعة من صناديق الاقتراع، بل أصبحت «كتلة مفاوضات» تُصنع بعد الانتخابات عبر تحالفات متغيرة، ما يؤدي إلى إفراغ هذا المفهوم من مضمونه الديمقراطي ويحوّله إلى أداة تفاوضية بدل أن يكون انعكاسًا لإرادة الناخبين. ومن النتائج الطبيعية لهذا التفتيت أن تتحول العملية السياسية إلى «إدارة يومية» بدل «حكم استراتيجي»، حيث تُستنزف طاقة الدولة في موازنة المطالب المتناقضة لعدد كبير من القوى، فيما تضيع إمكانية تشكيل أغلبية سياسية واضحة تمتلك برنامجًا حكوميًا قابلًا للتنفيذ.

وبالتالي، لا تنتج الديمقراطية هنا اتجاهًا للحكم أو مشروعًا وطنيًا، بل تنتج حالة دائمة من المقايضات، وتؤدي إلى حكومات ضعيفة، وائتلافات مرهقة، وقرارات مؤجلة. إن طبيعة الكتل الصغيرة والمتناثرة تكشف مرة أخرى أن العراق ما يزال يمارس «ديمقراطية العدد» لا «ديمقراطية الدولة»، وأن النظام السياسي يقوم على التوافق الاضطراري لا على الأغلبية السياسية الناضجة، فالتوافق هنا ليس خيارًا فلسفيًا كما في بعض التجارب العالمية، بل ضرورة مفروضة بحكم غياب الكتلة القائدة القادرة على الحسم.

وبذلك نكون أمام «تعددية سلبية» تعكس تنافس الهويات والمكونات أكثر مما تعكس تنافس البرامج والرؤى، الأمر الذي يجعل إصلاح الدولة أو تحديثها من داخل هذا النظام مهمة شبه مستحيلة في ظل غياب الأغلبية المستقرة وافتقار المؤسسات السياسية إلى العمق الفكري والبرامجي. إن هذه النتائج، بكل ما تحمله من دلالات، تؤكد الحاجة إلى التحول من «ديمقراطية التمثيل المكوني» إلى «ديمقراطية الدولة»، ومن تعددية المكونات إلى تعددية البرامج، ومن الصراع الجزئي إلى المشروع الوطني الجامع، وهو ما يجعل الدعوة إلى «الدولة الحضارية الحديثة» ضرورة تاريخية تتجاوز حدود السياسة اليومية إلى إعادة بناء مفهوم الدولة ذاته على أساس القيم، والوعي، والهوية المشتركة. بهذه القراءة، يتضح أن المشكلة ليست في الانتخابات ذاتها، بل في البنية العميقة للنظام السياسي، وفي غياب الإطار الحضاري الذي يمنح العملية الديمقراطية اتجاهًا وهدفًا ومضمونًا، وهو ما تحتاجه الديمقراطية العراقية لكي تتحول من ديمقراطية مفككة إلى ديمقراطية دولة فاعلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *