(إذا أردت أن تبقى في القمّة ، فاحرص أن يتقاتل الناس في القاع)!في كل مرة تقترب فيها الانتخابات في العراق تتحوّل البلاد إلى مسرحٍ كبير تُضاء أنواره فجأة وتُفتح الستارة على وجوهٍ مألوفة تُلقي خطباً مألوفة وتَعِد بوعودٍ مألوفة أيضاً ، تتبدّل الألوان واللافتات وتُطلَق العبارات الرنانة التي تحاول أن تُقنعنا بأن الغد سيكون أفضل ، وأن الأمل قادمٌ لا محالة ، وكأننا لم نسمع هذه الجمل منذ عشرين عاماً على الأقل. يعيش العراقي هذه المرحلة وكأنه في عرضٍ مسرحي يتكرر كل أربع سنوات لا يتغير فيه الممثلون ولا النصّ ، بل فقط يُعاد ترتيب المشاهد حسب الحاجة ، والناس من فرط ما اعتادوا على هذا العرض صاروا يعرفون متى ترتفع النبرة ومتى تنخفض ، متى تُذرف الدموع ومتى يُرفع الإصبع في الهواء معلناً “العهد والوعد” الذي لا يراه أحد بعد يوم الاقتراع. الطبقة السياسية عندنا لا تحتاج إلى مراكز دراسات لتعرف كيف تكسب الجولة ، فهي تحفظ القاعدة الذهبية عن ظهر قلب “قسّم تُحكم” ومنذ سقوط أول ورقة اقتراع في الصندوق وحتى اليوم ، لم تكن معركتهم الحقيقية مع الفساد أو التخلف أو الفقر ، بل كانت معركةً منظمة لإبقاء الناس منشغلين ببعضهم البعض . فبدلاً من أن يواجه المواطن خصمه في الفساد ، صار يواجه جاره في الرأي ، وزميله في المذهب ، وابن مدينته في القومية ، وكأنهم جميعاً أعداء بعضهم ، بينما “الخصم الحقيقي” يجلس على المنصة المكيّفة يتابع المشهد بابتسامة هادئة وبدلةٍ فاخرة. لقد نجحوا في تحويل المجتمع إلى ساحة تنازع دائم ، فيها الفقير يقاتل الفقير دفاعاً عن ثريٍّ لا يعرفه ، والمواطن يدافع بحرارةٍ عن زعيمٍ لا يراه إلا في اللافتات أو عبر شاشةٍ محاطة بالحراس والمجاملات . إنهم لا يريدون شعباً موحداً لأن وحدة الناس تهدد وجودهم ، ولا يرغبون في وعيٍ جماهيري حقيقي ، لأن الوعي يُسقط الأقنعة ، لذا تجدهم يزرعون الخلافات كما تُزرع الأشجار في موسم الانتخابات ، ويغذّونها بخطاباتٍ عاطفية تُشعل النعرات وتُخدر العقول في آنٍ واحد . أما الطبقة الوسطى التي يُفترض أن تكون صمّام الأمان الاجتماعي والسياسي ، فقد تآكلت بفعل الأزمات الاقتصادية وتراكم الفساد ، حتى أصبحت أشبه بطبقةٍ من الغبار بين الأرض والسماء ، لا تملك قوة الصعود ولا القدرة على الصمود ،وبغيابها صار المجتمع منقسماً إلى فقراء ينتظرون الفرج ، وأغنياء لا يعرفون معنى الانتظار . إن مأساة العراقي اليوم أنه يعيش وسط صراعٍ مفتعل لا علاقة له بلقمة العيش ولا بمستقبل أولاده ، يُجبر على الاختيار بين وجوهٍ متشابهة وشعاراتٍ متكررة ، فينتقل من خيبةٍ إلى أخرى ، بينما تُعاد صياغة اللعبة كل مرةٍ بديكورٍ جديد ووعودٍ أكثر أناقة . تُذكّرنا هذه الدورات الانتخابية المتكررة بمباراةٍ لا تنتهي (الشعب فيها في الملعب يتدافع ويتحمّس ويهتف ، بينما السياسيون في المنصّة المكيّفة يتقاسمون الأرباح بعد انتهاء المباراة) والجمهور رغم كل الخيبات يعود كل أربع سنوات إلى المدرجات ذاتها ، يحمل أعلاماً جديدة ، ويهتف بالأسماء ذاتها ، آملاً أن تتغير النتيجة هذه المرة… لكنها لا تتغير!!!. لقد أتقنوا لعبة “الإشغال” فبينما ينشغل الناس في التفكير بكيفية دفع الإيجار أو توفير الكهرباء أو تعبئة خزان الماء ، ينشغل السياسيون بتوزيع المقاعد ، وصياغة التحالفات ، وإدارة الصفقات التي لا يرى الشعب منها إلا الفتات . وكلما اشتعل الغضب الشعبي ، أطلقوا شعاراتٍ جديدة تخدره مؤقتاً ،وكأن السياسة عندنا قائمة على مبدأ( كلما ازداد وجع الناس، زادت فرصنا في البقاء!) إن ما يحدث في المشهد العراقي اليوم ليس مجرد تنافس انتخابي ، بل إعادة إنتاجٍ مستمرة لنظامٍ واحدٍ يُتقن التمثيل ، فالسياسي يطلّ بوجهٍ مبتسمٍ أمام الكاميرات ، يضع يده على قلبه ، ويقول “إنه من الشعب وإلى الشعب” بينما قلبه الحقيقي في (البنك ويده الأخرى تُوقّع على عقودٍ وصفقاتٍ لا يعلم عنها الشعب شيئاً) . ومع ذلك لا يمكن أن يستمر هذا العرض إلى الأبد ، فالشعوب مهما أُنهكت تمتلك لحظة وعيٍ مفاجئة ، تُسقط فيها الأقنعة وتُعيد كتابة القصة من جديد . إن اللحظة الفارقة التي ينتظرها العراق ليست لحظة إعلان نتائج الانتخابات ، بل “حظة إدراك الناخب أنه هو النتيجة الحقيقية” عندما يدرك أن صوته ليس ورقةً تُرمى في الصندوق ، بل سلاحٌ يمكن أن يغيّر مسار وطنٍ بأكمله. الخيار بيننا وبينهم لم يعد شعاراً ، بل مصيراً ، فالبلد الذي يختار بوعيه ينهض ، والذي يُخدَع بالشعارات يسقط من جديد ، والوعي ليس أن نعرف من ننتخب فقط ، بل أن نعرف لماذا ننتخب . فلتكن الانتخابات القادمة امتحاناً للذاكرة لا للعاطفة ، ولنعرف أن الوطن لا يُبنى بالأصوات العالية ، بل “بالاختيار الصحيح لمن يخدم بصمت ، لا لمن يعد بالكلمات” وحين ندرك أن الأوطان لا تُصان بالتصفيق ” بل بالوعي” عندها فقط سيسقط المسرح ، وتُطفأ الأضواء ، ويغادر الممثلون… ويبقى الشعب وحده في الميدان ، هذه المرة ليس متفرجاً ، بل صانعاً للمستقبل . |


