المقدمة:في ظلّ أزماتٍ متراكمة تمتدّ من انهيار البُنى التحتية إلى شحّ المياه وتحديات المناخ، اتجه العراق إلى عقد اتفاقياتٍ دوليةٍ بحثًا عن حلولٍ عاجلة ومستدامة. ومن بين أبرز تلك الاتفاقيات، تبرز اتفاقيتان متمايزتان في الشكل والمضمون:الأولى مع الصين تحت عنوان «النفط مقابل الإعمار»، والثانية مع تركيا، التي يمكن وصفها واقعياً بـ «النفط مقابل الماء». ورغم أنّ كلا الاتفاقين ينطلقان من حاجة عراقيةٍ حقيقية، فإنّ المقارنة بينهما تكشف عن تفاوتٍ جوهريٍّ في التوازن التفاوضي، وجدوى العائد، ومدى احترام السيادة الوطنية. أولًا: الاتفاقية الصينية – النفط مقابل الإعمار– أُبرمت عام 2019 تحت عنوان “النفط مقابل الإعمار “. – تقوم على تخصيص 100 ألف برميل نفط يوميًا، رُفعت لاحقًا إلى 150 ألف برميل في 2025. – تُودع الإيرادات في حساب خاص داخل وزارة المالية العراقية، بإشراف البنك المركزي. – تُستخدم الأموال لتمويل مشاريع تنموية تنفذها شركات صينية، تشمل:– بناء المدارس والمستشفيات والطرق والموانئ. – تطوير شبكات الكهرباء والطاقة. – إنشاء مشاريع إسكانية وصناعية. – الاتفاق لا يمس السيادة الإدارية، ويُدار وفق أولويات عراقية. – رغم إعلان التفعيل المالي في 2025، لم تُنفّذ أي مشاريع فعلية على الأرض حتى الآن. – الاتفاق معطّل فعليًا، رغم وضوح جدواه وأهميته التنموية. ثانيًا: الاتفاقية التركية – النفط مقابل الماء والتجارة الأحادية – وُقّعت في تشرين الثاني 2025، وتمنح تركيا صلاحيات واسعة في إدارة ملف المياه داخل العراق لمدة خمس سنوات. – تشمل الصلاحيات:– التخطيط والإرواء وبناء السدود. – تشغيل شبكات الري والمشاريع المائية. – تلتزم تركيا بإطلاق مليار متر مكعب من المياه سنويًا، دون ضمان قانوني أو حصة ثابتة. – العراق يموّل هذه الإدارة من خلال تخصيص 500 ألف برميل نفط يوميًا. – الاتفاق يتضمن بندًا تجاريًا يرفع التبادل التجاري إلى 30 مليار دولار سنويًا، معظمها لصالح الصادرات التركية. – لا يوجد التزام تركي بفتح السوق أمام المنتجات العراقية أو حماية المنتج المحلي. – الاتفاق يُكرّس تبعية مزدوجة: ماء مقابل نفط، وسوق مفتوحة مقابل لا شيء. – يُضعف السيادة الوطنية بمنح إدارة مورد حيوي لطرف خارجي. ومن أبرز ما يُؤخذ على هذا الاتفاق أن العراق يُقدّم ما يعادل 500 ألف برميل نفط يوميًا كجزية غير مبررة مقابل إدارة مؤقتة لموردٍ طبيعيٍّ يُفترض أن يكون من حقه التاريخي والطبيعي. فالماء ليس سلعة تُشترى، بل حقٌ أصيلٌ مكفولٌ بالأعراف الدولية والاتفاقيات الإقليمية، وكان يُمنح سابقًا دون مقابل ضمن سياق الجوار والتدفق الطبيعي. إن مساومة العراق على حصته المائية وتحويلها إلى بند تجاري مدفوع بالنفط تُعدّ إجحافًا قانونيًا وسياديًا، وتُكرّس منطقًا مرفوضًا في العلاقات الدولية، بدلًا من ترسيخ مبدأ التعاون العادل بين الدول المتشاطئة. حلول استراتيجية مقترحةلمواجهة هذا التفاوت في الجدوى والسيادة، يمكن للعراق اعتماد حزمة من الحلول العملية:– إعادة تفعيل الاتفاقية الصينية فعليًا عبر تشكيل لجنة تنفيذية مستقلة، وتحديد جدول زمني ملزم للمشاريع، مع رقابة مالية شفافة. – تعديل الاتفاقية التركية لضمان حصة مائية قانونية ثابتة، وتقليص صلاحيات أنقرة إلى دور تقني استشاري. – تنويع الشراكات الدولية مع دول تمتلك خبرات تنموية متقدمة، لتقليل الاعتماد الأحادي على طرف واحد. – تعزيز الإدارة الوطنية للموارد من خلال بناء قدرات محلية لإدارة ملف المياه والمشاريع التنموية داخليًا. – مراجعة الاتفاقيات أمام البرلمان والرأي العام لضمان التوازن القانوني والاقتصادي، وإشراك الخبراء في تقييم البنود. الخاتمة:يتضح من المقارنة أن الاتفاقية الصينية، رغم تعطلها، تحمل في جوهرها رؤية تنموية متوازنة، تُدار داخليًا وتُوجّه نحو الإعمار. أما الاتفاقية التركية، فرغم تفعيلها، تُجسّد نمطًا من الاستنزاف الاقتصادي والسيادي، حيث يُستهلك النفط مقابل إدارة مؤقتة للماء دون ضمانات أو عائد تنموي حقيقي. إن استعادة القرار الوطني يبدأ من مراجعة هذه الاتفاقات بعيون عراقية خالصة، يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، بما يليق بثرواته، وتاريخه، وكرامة شعبه. |


