بعد الشعارات الصارخة : بغداد لأبنائها

بعد الشعارات الصارخة : بغداد لأبنائها
تتميز العاصمة بالاستقطاب والاستيعاب، وتمثل خلاصة المدنية والقانون، مع تشابك الحياة وتنوع المهن والسلوكيات. بقاء العاصمة مرهون بقدرتها على جذب الآخرين واحتوائهم وتقديم نموذج حضاري يعكس قيم التعاون والاحترام والنظام....

بغداد وخلاصتها – لنفسها أم لغيرها ؟؟

-أهم معالم المدينة : الاستقطاب والاستيعاب

-كثر الصراخ – وانحسرت المعرفة .

-العصمة جامعة  ، ويريدونها مزرعة .

منذ ان نشأت الدولة ، تكونت العاصمة كتجسيد لمعنى التميّز في المدن ، فهي مصدرالحكم والقرار والثروة والجاه والنفوذ والعلم .

– كانت بابل (باب الإله ) هي أول عاصمة لدولة عظمى ، والمدينة الأكثر جذباً لمختلف صنوف البشر، حتى ذهبت كلمة – على باب الله – رمزاً على مرّ العصور للباحثين عن الرزق

– فماهي العاصمة ؟ وماالذي يميزها عن غيرها من المدن ؟ ا- العاصمة من ( العصمة )أي قدرة تلك المدينة على الاستقطاب والاستيعاب وتقديم الحماية للقادمين – أو منحهم الشعور بالأمان –

أيّاً كان شأن هذا القدوم وحيثياته . – العاصمة هي مقرّ الحاكم بما يتبع ذلك من قوة عسكرية وتطبيق للقانون أكثر صرامة ، كذلك إجراء المعاملات وتحصيل الحقوق بواسطة المحاكم وسواها .

تلك المهام المتعددة للعواصم ، يتبعها ازدياد في تشابك أساليب العيش وتنوّع مصادره ، بدءاً من أشغال الخدمة الصغيرة ، وليس انتهاءً بأعقد المهام ، بما فيها تحصيل العلم أو الانتظام في سلك الدولة أو ممارسة التجارة ضمن مستويات أعلى أو الوصول الى المناصب السياسية.

الخاصيات الأساسية للعواصم، غالباً ماتحوي خلاصة المدنية ، بمعنى انها ينبغي ان تكون الرمز، ليس في مستوى الدور السياسي وحسب ، بل في قياس مستوى الممارسات والسلوكيات المنبثقة أساساً من طبيعة المهام ذاتها.

 ولتفرض المدينة نفسها عاصمة ، ينبغي امتلاكها مجموعة خواصاً مكانية أهمها :

سهولة الحصول على مصادرالمياه – قربها من مسالك الطرق الاستراتيجية – الموقع الجغرافي الذي يسهل الدفاع عنه – ان لاتبعد كثيراً عن منتجات الغذاء – قدرتها على التحرك والسيطرة – امتلاكها ثروات طبيعية خاصة بها.

لا يشترط في العاصمة امتلاكها لكلّ تلك المواصفات ، الا انها تتشكل وفق معادلة طردية : ميزات أكثر ، ديمومة أطول .

لاعاصمة دون قدرة على الاستقطاب ، تلك هي الخاصية الرئيسة التي تميز العواصم – والمدن الكبرى عموماً – ثم القدرة على التفاعل ، مايمكّنها من استيعاب القادمين أو توفير الفرص أمامهم ليفعلوا ذلك .

وهكذا تصبح العاصمة رمزاً للمدن ، طالما هي قادرة على ان تكون كذلك  ، ماتنبثق عنه خلاصة المدنية ، وهي ليست مصطلحاً عابراً نسبة الى المدينة وحسب ، بل سلوكيات منضبطة بقانون .

تشابك الحياة في المدينة واختلاف مستويات التعامل مع فئات سكانية تعتاش من مهن مختلفة ومترابطة معاً ، لابد ان يفرز نوعين من السلوكيات : منها ماهو ضمن السياقات العامة التي يتطلبها مجتمع المدينة ، ومنها ماهو خاصّ بكلّ مهنة  لكل مهنة أخلاقياتها التي تفرضها بشكل غير مباشر على ممارسيها ، لتصبح جزءاً من مشتركات عامة بين أبناء المهنة الواحدة، تضاف الى ماينهجه كلّ منهم كجزء من سلوكية شخصية .

السلوكيات المدنية تأتي ضمن سلّم قيمي يبدأ إفرادياً ثم يتصاعد فئوياً ضمن المهن الواحدة ، لتتطور الى سلوك اجتماعي مدني عام ، ينظّم بقوانين تضبط إيقاع السلوكيات.

ذلك ما يحافظ على حدود دنيا ، تصبح مقياساً للتحضّر، يبرز أهمها في تطوير الذوق العام والقدرة على التعاون وطاعة النظام والقبول بالتعدد واحترام الآخر ،وسواها من السلوكيات التي يحتمّها الانخراط في حياة المدينة.

ولأن التجارة هي المهنة الأكثر رواجاً في المدن بشكل عام – سواء بالممارسة المباشرة ، أو بمايدور حولها أو يرتبط بها .

تظهر سلوكيات المهنة في القدرة على المناورة و إظهار الأشياء على غير حقيقتها– المنافسات الممهورة بالمجاملات – الأيمان والقسم – الاندفاع نحو التشاطر أو الشطارة – العمل بمقولة ( لكل مناسبة مقال – الربح ميزان العلاقة – -وسواها –و كلما اقتربت العواصم والمدن من سلوكياتها ، كلما حافظت على حقيقتها ، وهو مايترك أثره ليس على الحياة الفردية والسلوك الاجتماعي وحسب ، بل يشمل مفهوم الدولة وسلوكيات السياسيين كذلك . انها ضريبة المدن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *