النظام السياسي في العراق بين الخوف من التغيير وسؤال الشرعية

النظام السياسي في العراق بين الخوف من التغيير وسؤال الشرعية
يحلّل المقال أزمة الشرعية في النظام العراقي، مبرزًا خوف النخب من التغيير واعتمادها على العشائر والدين كأدوات سلطة، فيما يكشف القلق من التحولات السورية هشاشة النظام الذي يعيش بين موت القديم وعجز الجديد عن الولادة...
يعيش العراق حالة سياسية حساسة تتأثر بالأحداث الإقليمية وعلى مختلف الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية اذ يشكل العراق محوراً اساسياً في قلب الأحداث التي تعصف في المنطقة وبالتالي يتآثر ويؤثر بسير الأحداث.

وهدف الاستقرار يعتمد على التعاون الداخلي البناء والقدرة على مواجهة التحديات بحنكة وهدوء، من خلال تبني سياسات فعالة وتشجيع الشراكات الإقليمية والدولية، بما يمكّن العراق من تحقيق التقدم المستدام، وتلبية تطلعات الشعب العراقي نحو مستقبل مستقر يعزز التنمية والوحدة الوطنية وتطوير اقتصاد مستدام يخلق فرص عمل وعامل جذب للشركات العالمية في الاستثمار، ومع ذلك يظل الوضع معقداٌ نتيجة لعوامل متعددة تتراوح بين التداخلات الإقليمية والتحديات الاقتصادية والتوترات السياسية التي تعصف بالمنطقة عموماً.

أزمة الشرعية ومخاوف النخبة من التغيير

لفهم حالة القلق التي تخيم على النخبة السياسية في العراق مع كل تغيير داخلي أو إقليمي، لا بد من تحليل عميق يرتكز على أسس واضحة ومنطقية. فالشرعية السياسية، التي تعد الركيزة الأساسية لاستقرار أي نظام، تُستمد من رضا المواطنين وثقتهم. وعندما يظهر الخوف من التغيير، فإنه غالبًا ما يعكس أزمة في شرعية النظام أو إدراكًا ضمنيًا من النخب بضعف النظام أمام تحديات الواقع.

النظام السياسي الذي نشأ بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تأسس على المحاصصة كوسيلة لإدارة الدولة. في البداية، بدا هذا النموذج وكأنه محاولة لتحقيق تمثيل عادل لجميع مكونات المجتمع العراقي. إلا أن المحاصصة سرعان ما تحولت إلى مشروع قائم على المحسوبيات،”، لتصبح أداة للصراع على النفوذ والمكاسب. هذا التحول أدى إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية بدلًا من معالجتها. والسؤال الجوهري هنا: كيف يمكن لنظام يعتمد على تقسيم المجتمع أن يحقق شرعية وطنية؟ احتجاجات تشرين 2019 جاءت كإجابة صريحة على هذا السؤال، حيث عبر العراقيون من خلالها عن رفضهم الجذري للنظام، ليس فقط على مستوى الشخصيات الحاكمة، بل على مستوى الأسس التي يقوم عليها.

هذا الرفض الشعبي أبرز هشاشة النظام القائم، وأوضح عدم قدرته على استيعاب التغيرات أو الاستجابة لمطالب الإصلاح. لهذا السبب، تشعر النخبة الحاكمة في العراق بحالة من التوجس أمام أي تغيير إقليمي أو داخلي، مثل سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الذي يعد حليفًا ضمنيلهم. سقوط الأسد، على سبيل المثال، أثار مخاوف عميقة داخل العراق، حيث بدأت التساؤلات تُطرح حول مصير النخب السياسية المرتبطة بالإطار التنسيقي وغيره من القوى التقليدية. بدلًا من مواجهة هذه التساؤلات بمراجعة الذات أو محاولة الإصلاح، لجأت النخب إلى تخوين منتقديها وشيطنتهم، في إشارة واضحة إلى إدراكها هشاشة شرعيتها.

وكما قال المفكر أنطونيو غرامشي: “الأزمة تحدث عندما يموت القديم، ولكن الجديد لم يولد بعد”. هذه العبارة تجسد تماماًّحالة النظام العراقي، الذي يعيش في فراغ بين نظام قديم فقد شرعيته ورؤية جديدة لم تتشكل بعد.

النخب السياسية العراقية تنظر إلى أي مطالبة بالتغيير كتهديد وجودي لها، ولهذا تلجأ إلى أساليب متعددة للحفاظ على هيمنتها. أحد أبرز هذه الأساليب هو توظيف الجماعات العشائرية.

تاريخياً، كانت العشائر تمثل الحاضنة الاجتماعية التي تعكس قيم التضامن والتكافل في المجتمع العراقي. لكن في ظل النظام الحالي، تحولت بعض الجماعات العشائرية إلى أدوات تُستخدم لحماية السلطة وتثبيت أركانها. أصبح رجال السلطة يوظفون هذه الجماعات في تهديد المعارضين من خلال “الدكة العشائرية” أو الملاحقات الاجتماعية، ما يعيق أي محاولة للتعبير الحر ويقوض العمل على الإصلاح السياسي والاجتماعي. بهذا، تحولت العشائر من رمز للتضامن الاجتماعي إلى أداة قمعية تعزز النظام القائم .

تحويل الدين إلى أداة سلطة

تكييف الرموز لضمان البقاء أدى إلى تحويل الدين من أداة احتجاج إلى أداة سلطوية.

هذا التحول يعكس قدرة النظام على تكييف الأدوات الرمزية، حتى تلك التي كانت موجهة ضده، لتصبح وسيلة لضمان بقائه واستمراره. إن قراءة الوضع السياسي في العراق من هذا المنظور تُظهر بوضوح أن النخب الحاكمة ليست فقط عاجزة عن بناء نظام سياسي مستقر وقائم على أسس الشرعية الوطنية، بل تعتمد على منظومة من الأدوات الاجتماعية والدينية لقمع المعارضة وترسيخ سلطتها. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر للنظام هو الاستجابة للوعي الشعبي المتزايد، الذي قد لا يكون من السهل قمعه إلى الأبد.

قلق السلطة الحاكمة في العراق من التحولات الجارية في سوريا يكشف هشاشة النظام السياسي، وخوفه العميق من انعكاسات هذه التغيرات على الداخل العراقي. إن التطورات الإقليمية، خاصة في سوريا، قد تعيد رسم خارطة التوازنات السياسية في المنطقة، مما يزيد من تعقيد المشهد العراقي المأزوم. وهنا تبرز مقولة ميشيل فوكو: “السلطة تُمارَس من خلال الخوف أكثر من العنف، حيث يصبح التحكم في النفوس أهم من السيطرة على الأجساد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *