في زمنٍ صارت فيه القضايا تُقاس بعدد التغريدات لا بعدد التضحيات، يعود طوفان الأقصى ليذكّرنا بمعنى “الحق” وسط الضجيج، وليفضح ما تبقّى من أقنعةٍ زائفة كانت تتحدث باسم الله والوطن والعروبة.
العرب والمسلمون، كلٌّ يبكي على ليلاه، وكلٌّ يرفع راية قضيته الخاصة.
لكن حدّة البكاء تتناسب مع الرب الذي يعبده صاحبها؛
فهناك من يعبد ربًّا قوميًّا تحركه الجغرافيا،
ومن يعبد ربًّا مذهبيًّا تحكمه المصلحة،
ومن جعل ربّه شاشةً تلفزيونيةً تبثّ له ما يحبّ سماعه.
ولأنهم جميعًا يتوارون خلف العبارة المكرورة: «الله من وراء القصد»،
فقد صار الإيمان عند بعضهم مجرّد توقيعٍ لفظيٍّ على صكّ البراءة من المسؤولية.
أما أنا، فلا أعرف هذا الرب العربي–الإسلامي المتعدّد الوجوه، الذي يتبدّل بتبدّل التحالفات، ويتكيّف مع اتجاهات الريح السياسية.
إيماني يقول إن الله لا يُستحضر لتبرير الصمت، ولا يُستدعى لتجميل الهزيمة، بل يُعرف في مواقف الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
فحين تلوح في الأفق ملامح “وجه الله”، قد نكتشف – بعد مسيرٍ طويلٍ أنهك الأجساد والأرواح – أن ما لاح لم يكن وجهه تعالى، بل انعكاسًا لوجه الشيطان في مرايانا الملوّثة.
— المقاومون… شهود الإيمان الحقيقي
غير أن هذا الظلام ليس كاملاً.
ففي قلب العتمة، هناك من ظلّ ثابتًا على البوصلة، يقاتل لا بحثًا عن بطولةٍ ولا شهرة، بل لأن في صدره إيمانًا لا يُشترى.
هؤلاء الذين أوقدوا النار في ليل العجز العربي، وحملوا أجسادهم إلى المدى لئلا تموت القضيّة، هم من يستحقون أن يُقال عنهم:
إنهم عرفوا ربّهم حقّ المعرفة.
أولئك المقاومون الذين غسلوا وجه الأمة بدمهم حين تلطّخ بالطين،
الذين لم يساوموا، ولم يبيعوا، ولم يتذرّعوا بعبارة “الله من وراء القصد”،
هُم الشهود الحقيقيون على أن الإيمان ليس شعارًا، بل موقفًا.
قد نجد عند الكوثر رسول الله ﷺ يشير إليهم بفخرٍ،
ويقول: هؤلاء عرفوا الطريق إلى وجه الله، حين ضلّته الجموع المترفة.
أما الباقون، فقد تاهوا في جاهليتهم الجديدة، حيث الشيطان يرتدي عباءة الراهب،
ويعلّم الناس كيف يُسبّحون بأصابعهم الملطخة بالخذلان.
بين التيه والميلاد الجديد
يبقى “طوفان الأقصى” ليس مجرد معركةٍ في جغرافيا ضيقة، بل اختبارًا وجوديًا للضمير الإنساني والعقل العربي معًا.
فمنه انكشفت حقيقةُ من ما زال يرى في المقاومة طريقًا إلى الكرامة،
ومن انحنى أمام صنم المصلحة وهو يتلو صلوات الحياد البارد.
إنّ الأمة التي لا تملك شجاعة الاعتراف بخذلانها،
ولا الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها،
ستبقى أسيرة تيهها الجاهلي الجديد،
تنتظر مخلّصًا لن يأتي ما لم تولد في داخلها روح المقاومة من جديد.
أما أولئك الذين ثبتوا في وجه العاصفة، وحملوا أرواحهم على أكفّهم نصرةً لغزة،
فقد كتبوا بدمهم ما عجزت الكلمات عن قوله،
وأعادوا تعريف الإيمان لا بوصفه طقسًا، بل موقفًا أخلاقيًا وتاريخيًا.
في نهاية المطاف، سيظلّ وجه الله لا يُرى إلا في عيون المقاومين،
أما الآخرون، فسيواصلون البحث عنه في مراياهم المعتمة…
ولا يرون – كلما اقتربوا – سوى انعكاس الشيطان بوجهٍ جديد.


