منذ زمنٍ بعيدٍ، يسكنني سؤالٌ لا يشيخ…
سؤالٌ ظلّ يلاحقني كظلٍّ لا يفارق النور، ويجلس على حافة فكري كلّما خلوت إلى نفسي:
هل أنا مخيّرٌ أم مسيّرٌ؟
هل أسير بخطوي، أم يُساق خطوي بي؟
هل أكتب مصيري، أم يكتبني قلمي الذي بيد الله؟
كم سكنتني هذه الفكرة، وكم أرهقتني بحوارٍ لا ينتهي بين القلب والعقل.
كنت أُحاور القدر بصمت، وأسأله: “من منّا يقود الآخر؟”
كنت أنظر إلى المارة في الشوارع، إلى النهر الجاري، إلى ورقةٍ تهتزّ على غصنٍ نحيل، وأقول في نفسي:
أهي تسقط لأنها اختارت، أم لأن الريح أمرتها؟
ثم أعود إليّ، فأرى أني مثلها… أتحرك، وأشعر، وأظنّ أني أختار، بينما ثمة يدٌ خفيةٌ تمسك بخيوط هذا المسرح الكبير.
سنواتٌ وأنا أبحث، بين كتب الفلاسفة والمفسّرين، بين صمت الليل وصخب النهار، عن جوابٍ يُريحني.
فكلّ فكرةٍ كانت تولد في رأسي، كانت أخرى تُنكرها في صدري، حتى غدوتُ كمن يقف بين شاطئين:
شاطئ الحرية، وشاطئ القدر.
وكان الموج بينهما قلبي.
إلى أن جاء يومٌ، لا أعلم أهو وحيُ عقلٍ أم نَفَسُ رحمة،
فأشرق في داخلي نورٌ كأنّه إلهامٌ من الله لا استنتاجٌ من فكر،
وقال لي قلبي:
“يا هذا، ما الفرق بين أن تُساق بيد الله، أو أن تختار بيدك ما أراده الله لك؟
أليس النبع واحدًا وإن تعددت الجداول؟”
فأدركتُ، بطمأنينةٍ لم أعرفها من قبل، أنّ المسألة ليست أن أكون مسيّرًا أو مخيّرًا،
بل أن أكون في طريق الله، كيفما شاء لي أن أكون.
إن كنتُ مسيّرًا، فذاك شرفٌ لي، لأن الله — جلّ في علاه — اختار لي من بين الطرق طريقَ الكرامة والعزّ والشهادة،
طريقًا سلكه الأنبياء والصالحون، ومهّدته دماء الحسين، ونقشته صبرُ زينب، وثبّته عدلُ عليّ وأكمله الأبطال على دروبهم.
اختار لي أن أكون من الذين يُؤلمهم الظلم أكثر مما يُغريهم الباطل،
ومن الذين يُؤْثرون الجوع على الخضوع، والموتَ واقفًا على الحياةِ راكعًا.
وإن كنتُ مخيّرًا، فذلك بركةٌ ونعمة، لأنّي اخترت بعقلي وقلبـي الطريق ذاته — طريق الصلاح والفلاح، طريق الذين قالوا “لا” حين كان الصمت أسلم.
اخترتُ أن أمشي على أثر عليّ حين نام مكان رسول الله،
أن أقتدي بالحسين يوم اختار الموت كي لا يموت الحق،
أن أستلهم من زينب صبرها الذي غلب السيف، ومن زين العابدين سجوده الذي غلب التاريخ.
أدركتُ أن الحرية الحقيقية ليست أن تفعل ما تشاء، بل أن تشاء ما يرضاه الله،
وأن القدر ليس قيدًا بل جناحًا،
من أدرك حكمته طار به،
ومن جهلها ظنّ أنه سجن.
فيا لَرحمة الله التي جمعتنا بين الاختيار والهداية،
جعلتنا نسير بخطانا على طريقٍ كتبه لنا،
فصرنا أحرارًا في داخل القدر، لا عبيدًا له.
وهكذا سكنت الحيرة وسكت السؤال.
فما عدتُ أرى تناقضًا بين الإرادة والمشيئة،
بل رأيت فيهما موسيقى واحدة تعزفها الحياة في قلوب المؤمنين.
فمن شاء الله له النور، اختاره النور،
ومن سار في درب العزّة، فذاك لأنّ الله سيّره إليها منذ الأزل،
وجعلها قدرًا لا يُلغى، وخيارًا لا يُندم عليه.
وهكذا أقول اليوم، بعد عمرٍ من الفكر والتأمل:
لا يهمّ إن كنتُ مسيّرًا أم مخيّرًا،
ما دمتُ أسير في طريقٍ تزيّنه آثار عليّ،
ويضيئه دم الحسين،
وتظلّله روح زينب،
فإن كان القدر هو الذي ساقني، فمرحى بقدري،
وإن كان اختياري هو الذي جاء بي، فمرحى بخياري،
فكلاهما يقودني إلى الله…
إلى الكرامة، والحقّ، والنور الذي لا ينطفئ.
ولذا فإن إختياري لنصرة فلسطين وقضيتها مع باقي الإخوة من اليمن إلى لبنان إلى العراق هو شرف إكتسبته بإرادتي أو بتقدير الإله لي .


