يبدو أن مسلسل الأعباء المعيشية في العراق لا نهاية له، فبعد أن تم تفريغ ميزانية الدولة من محتواها الحقيقي وبيع العديد من أصولها للشركات الاستثمارية تحت عناوين «الإعمار» و«الاستثمار»، ها هي الحكومة تخرج بقرارات جديدة تُثقل كاهل المواطن البسيط، لتبدأ مرحلة جديدة من الجباية القسرية التي لم تعد تُحتمل.
المواطن بين فكي كماشة الفساد وسوء الإدارة
لقد بات المواطن العراقي اليوم يعيش بين فكي كماشة، من جهة الفساد الحكومي الذي أكل الأخضر واليابس، ومن جهة أخرى سوء الإدارة الذي جعل من أبسط حقوق الإنسان ـ كالماء والكهرباء ـ أحلاماً مؤجلة. فالماء في كثير من المحافظات أصبح مالحاً لا يُشرب، والكهرباء لا تزور البيوت إلا لساعات معدودة، ومع ذلك تزداد الفواتير والضرائب وكأن المواطن يعيش في رفاهية أوروبية لا في بلد النفط والخيرات.
تحميل المواطن ثمن أخطاء المسؤولين
إنّ الحكومة بدل أن تبحث عن حلول جذرية لمشاكل الفساد والهدر المالي، اختارت الطريق الأسهل: تحميل المواطن نتائج فشلها. فالمواطن هو من يدفع ثمن أخطاء المسؤولين، وهو من يتحمّل عجز الإدارات، وهو من يُطالَب دوماً بالتضحية بينما الفاسدون يزدادون ثراءً ونفوذاً. هذه السياسات تجعل الشعب رهينة لمشاريع وهمية وخطط ترقيعية لا تسمن ولا تغني من جوع، وتكرس شعورًا عامًا بالإحباط واليأس.
أسئلة بلا إجابات… ومصير غامض
في ظل هذا الواقع، يتساءل العراقيون بمرارة: إلى أين يتجه العراق؟ وكيف يمكن لبلد غني بالثروات أن يعيش شعبه في فقر وبؤس دائمين؟ وأين ذهبت المليارات التي أُنفقت باسم الخدمات والإعمار؟ أسئلة كثيرة لم تجد جواباً شافياً، لأن من يفترض بهم الإجابة هم أنفسهم جزء من المشكلة لا من الحل. كما أن غياب الشفافية والمساءلة يزيد من فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية، ويترك المجال لتنامي الفساد بشكل أسرع وأكثر تأثيرًا.
الغضب الشعبي وفقدان الثقة
إنّ استمرار هذا النهج سيقود البلاد إلى مزيد من الغضب الشعبي وفقدان الثقة بالمؤسسات، فالمواطن الذي يُستنزف يومياً في لقمة عيشه، لن يبقى صامتاً إلى الأبد. وإنّ السكوت عن الفساد لم يعد خياراً، لأن ثمنه يُدفع من دماء العراقيين ومستقبل أبنائهم. الواقع الحالي يفرض على الشعب أن يدرك أن الصمت يعادل الموافقة على استغلاله، وأن التغيير الحقيقي يحتاج إلى قرار جماعي وشجاعة مجتمعية للمطالبة بحقوقه المشروعة.
الانتخابات… فرصة للتغيير
وفي خضم هذا الظلم المتواصل، يبرز سؤال مهم: هل يستحق هؤلاء الفاسدون أن يمنحهم المواطن صوته مجدداً في أي انتخابات قادمة؟ إنّ الجواب واضح لكل من يملك ذرة وعي وضمير. فالتجربة الطويلة أثبتت أن وجوه الفساد تتبدل، لكن المنهج واحد، والمواطن هو الخاسر الدائم ما لم ينهض ويدرك أن التغيير الحقيقي يبدأ من صناديق الاقتراع، ومن رفض إعادة إنتاج الطبقة السياسية التي نهبت خيرات البلاد.
العدالة والنزاهة أساس بناء الوطن
إنّ العراق يستحق حياة أفضل، وشعبه لا يستحق أن يبقى رهينة للقرارات الجائرة والجباية القسرية وسوء الإدارة. فالوطن لا يُبنى بالضرائب والجبايات، بل بالعدالة والنزاهة والإخلاص في العمل، وهذه قيم باتت نادرة في ظل واقع سياسي متخم بالمصالح والصفقات. ومن دون إعادة الاعتبار لهذه القيم الأساسية، ستبقى الدولة عاجزة عن حماية مواردها أو ضمان حقوق مواطنيها، وسيتواصل استنزاف الشعب تحت ذرائع سياسات فاشلة.
الإصلاح يبدأ بالثقة والمحاسبة
ختاماً، إنّ من الواجب على الحكومة إن كانت جادة في الإصلاح، أن تبدأ بمحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة قبل أن تمد يدها إلى جيوب المواطنين. فالإصلاح لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالثقة، والثقة لا تُمنح لمن جعل الشعب يدفع ثمن الفساد كل يوم. وما لم يحدث هذا التغيير، سيبقى العراق محاصراً في دائرة الفقر والإهمال والفساد المستمر.


