الظرف الراهن في كوردستان والعراق يفرض نفسه بقوة على الشارع الكوردستاني، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية. فالحملة الانتخابية هذه المرة تختلف عن سابقاتها، سواء من حيث الأسلوب أو من حيث التفاعل الجماهيري مع المرشحين الذين كثّفوا زياراتهم المكوكية في المدن والبلدات. لكن، ورغم هذا الحراك، ما تزال علامات الاستفهام مطروحة بكثرة حول طبيعة المنافسة، ومصير العملية الانتخابية، وإلى أي مدى ستكون نتائجها مختلفة عن سابقاتها.
العراق الجديد
إن جوهر التساؤل يكمن في مستقبل مبدأ الشراكة داخل العملية السياسية العراقية. هذا المبدأ لم يأتِ من فراغ، بل كان ولا يزال العمود الفقري لفكرة “العراق الجديد” بعد عام 2003. غير أن الواقع المؤلم يثبت أن الحكومات المتعاقبة فشلت في ترجمة هذا المبدأ إلى فعل ملموس. بل إن الكثير منها تجاهلته أو تعامل معه بانتقائية، وكأن الشراكة مجرد شعار يرفع عند الحاجة ثم يُركن على الرف عند الوصول إلى السلطة.
في المقابل، نجد أن الشارع الكوردستاني ما يزال متمسكًا برؤية واضحة:
أن أي حكومة في بغداد لا يمكن أن تُبنى على الإقصاء أو التفرد، بل على الشراكة الحقيقية، بما يضمن التوازن والتوافق بين المكونات. هذه ليست مجرد كلمات أو شعارات؛ بل هي قاعدة دستورية وشرط أساسي لبقاء الدولة العراقية موحدة وقادرة على إدارة شؤونها. فحين تتحقق الشراكة الفعلية، ويتوازن القرار بين الأطراف، وتُحترم آليات التوافق، تصبح الحكومة أكثر استقرارًا، ويصبح المواطن أكثر التزامًا تجاهها، باعتبارها حكومة للجميع وليست حكومة طرف على حساب طرف آخر.
ولكي نفهم جوهر الموقف، لا بد من العودة إلى الأساس التاريخي لتشكيل الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى. فقد جاء التأسيس نتيجة تقاسم مصالح القوى الكبرى، وبفعل تقسيم قسري خرّط شعوبًا ومكونات متعددة داخل كيان واحد. شئنا أم أبينا، وجدنا أنفسنا جزءًا من هذا الكيان، ثم قبلنا لاحقًا بالعملية الديمقراطية، من انتخابات إلى استفتاء على الدستور، أملاً في أن يكون الدستور هو العقد الجامع الذي يضمن الحقوق ويمنع التهميش.
غير أن التجربة الممتدة لأكثر من عقدين أظهرت أن مجرد وجود نصوص دستورية لا يكفي، ما لم يرافقها التزام حقيقي من قبل الأطراف الفاعلة. فالدستور تحدث بوضوح عن التعددية والشراكة، لكنه في التطبيق ظل عرضة للتأويل والتجميد، وأحيانًا للتعطيل المتعمد. وبدل أن تكون الشراكة صمام أمان، تحولت في بعض المراحل إلى نقطة نزاع، نتيجة غياب الإرادة الصادقة في الالتزام بها.
اليوم، ونحن على أبواب انتخابات جديدة، يقف الشارع الكوردستاني أمام أسئلة مصيرية:
هل ستُبنى الحكومة المقبلة على قاعدة الشراكة الحقيقية أم على معادلة الغلبة العددية؟
هل سيكون التوازن مبدأً واقعياً في اتخاذ القرارات المصيرية، أم مجرد ورقة ضغط؟
وهل يمكن للتوافق أن يُترجم إلى برنامج حكومي متفق عليه، لا إلى محاصصة شكلية تُقسِّم الوزارات دون أن توحِّد القرار؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، بل هي الأساس في تحديد اتجاه البوصلة العراقية. فإذا غابت الشراكة، وغاب معها التوازن والتوافق، فإن أي حكومة جديدة ستكون مجرد تكرار لخيبات الماضي. أما إذا توفرت الإرادة، فإن الانتخابات قد تكون فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين بغداد وأربيل، على قاعدة الاحترام المتبادل والالتزام بالدستور.
إن الإصرار الكوردستاني على شعار “الشراكة، التوازن، التوافق” ليس مجرد موقف سياسي ظرفي، بل هو استراتيجية بقاء. فبدونها لا يمكن لأي حكم أن يكون عادلاً أو مستقرًا أو قادرًا على الصمود في وجه الأزمات الداخلية والتحديات الإقليمية. والشراكة، في جوهرها، ليست منّة من طرف على آخر، بل هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الدولة العراقية، وضمانة العيش المشترك بين مكوناتها.
من هنا، فإن المطلوب في هذه المرحلة هو وضوح الرؤية والصدق في التطبيق. فالانتخابات لن تكون ذات جدوى إذا لم تُترجم نتائجها إلى حكومة شراكة فعلية، حكومة تعترف بالآخر وتعمل معه لا ضده. وحين يتحقق ذلك، يصبح الحديث عن عراق جديد أمرًا واقعيًا لا مجرد وهم، وتصبح كوردستان جزءًا فاعلًا في بناء الدولة بدل أن تبقى طرفًا مغيَّبًا أو مُهمَّشًا.
إن الشراكة الحقيقية، إذا ما تم الالتزام بها، قادرة على أن تمنح العراق فرصة تاريخية للعيش والديمومة أكثر، بعيدًا عن منطق التفرد والتهميش. فهي ليست خيارًا ثانويًا، بل السدادة الأولى لأي حكم عادل، والشرط الذي لا يمكن تجاوزه إذا أردنا أن نبني دولة قادرة على مواجهة تحديات الداخل والخارج


