في محاولة لفهم سلوك الناخبين: توظيف البيولوجيا في العلوم السياسية

في محاولة لفهم سلوك الناخبين: توظيف البيولوجيا في العلوم السياسية
تُبرز المقالة أثر العلوم البيولوجية في فهم السلوك السياسي، مبيّنة كيف تكشف دراسات الأعصاب أنّ الانتماء الحزبي يؤثر في استجابات الدماغ والعواطف تجاه المرشحين، ما يعيد تعريف مفهوم المشاركة والاختيار الانتخابي....

      إن التغيرات السريعة والعميقة في علم الاحياء على مدى الخمسين عاماً الماضية كان لها اثار كبيرة على العلوم السياسية, اذ ان التقدم في علوم الحياة لم يغير فقط تقنيات التكاثر والرعاية الصحية والزراعة, بل تجاوز الامر الى فهم وتفسير السلوك الانساني, والاهم من ذلك ان العلوم البيولوجية تتحدى التفسيرات التي كانت سائدة ومقبولة على نطاق واسع للسلوك الاجتماعي والسياسي البشري, اذ بالرغم من ان الفلاسفة فيما مضى افترضوا ان النظرية السياسية المناسبة تتطلب فهما دقيقا لـ( الطبيعة البشرية) الا انه يجب الان اعادة النظر في اساس تخصص العلوم السياسية في ضوء مجالات مثل علم الوراثة, وبيولوجية الخلية, وعلم الاعصاب.

ومن بين جوانب السياسة الانسانية التي تبرزها السياسة الحيوية ديناميكيات السلوك المباشر بين القادة والاتباع، وتأثيرات البيئة والجنيات على السلوك، وتطور المجتمعات الذي ادى الى تكوين الدول، وحول العلماء انتباههم مؤخراً الى جينات معينة قد تكون مرتبطة بالسلوكيات والمواقف والتوجهات السياسية، مثل سلوك الانتخاب، والثقافة السياسية. وبما اننا مقبلون بعد فترة قصيرة على انتخابات برلمانية تعد في غاية الأهمية لمستقبل العراق فمن المهم التعرف على السلوك الانتخابي للناخبين,  من حيث لماذا يصوت الافراد لهذا المرشح او ذاك, او لهذا الحزب او تلك القائمة ؟ وهل للعوامل البايولوجية تاثير في هذا الشأن؟.

وبهذا الشأن نقول:

لطالما كرس علماء السياسة جهودهم لفهم المشاركة السياسية والسلوك الانتخابي, وفي حين كان الاعتقاد بان العوامل الاجتماعية والنفسية كان لها دوراً مؤثراً في قرارات المشاركة والتصويت في الانتخابات, حاولت بعض الدراسة الحديثة اثبات بان العوامل الوراثية و البيولوجية قد يكون لها تأثير على المشاركة السياسية من قبل الافراد, اذ حاولت هذه الدراسات شرح اسباب تصويت الناس والمشاركة السياسية( او اختيار عدم المشاركة) اذ ساهم علم الاعصاب السياسي في تقديم فهم ولو جزئيا كيف تساهم الردود على المعلومات السياسية في المشاركة السياسية والسلوك الانتخابي. فعلى سبيل المثال ان عالما الاعصاب جوناس كابلان وجوشوا فريدمان وماركو لاكوبرني من جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس قاموا بتجارب قبيل الانتخابات الرئاسية الامريكية عام 2004 و2008. وفي الوقت ذاته اي قبل انتخابات 2004 كان درو ويستن وزملاءه من جامعة ايموري يجرون مثل هذه التجارب بشكل مستقل عن زملائهم في جامعة كاليفورنيا  .واستخدم الباحثون في كلتا التجربتين تكنيكات التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (FMRI) لاكتشاف الجوانب العصبية من استجابات الناخبين للصور السياسية .

ففي احد تجاربهم قبل عام 2004 قام فريدمان ولاكوبرني بربط ناخب ديمقراطي الى جهاز (MRI) وعرضوا عليه صورا صممت لاستثارة استجابات انفعالية, مثل دعاية انتخابية لبوش تضمنت صورا من احداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر, ودعاية السيئة الصيت من حملة ليندون جونسون للانتخابات الرئاسية عام 1964. واتبعوا ذلك دراسة عام 2004 حققت في كيفية تعديل الانتماء الحزبي والمواقف السياسية للنشاط العصبي اثناء مشاهدة وجوه المرشحين للرئاسة الامريكية. اذ تم اختيار عشرة ديمقراطيين مسجلين من الذين دعموا المرشح الديمقراطي والنصف الاخر من الجمهوريين المسجلين الذين ايدوا المرشح الجمهوري. وقد تم مطابقة المجموعتين حسب العمر والجنس, وقد تم فحص المبحوثين في نموذج التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي المرتبط بالحدث اثناء عرض صور لوجوه جورج بوش وجون كيري ودالف نادر خلال الحملة الانتخابية للرئاسة الامريكية, وقد وجدت الدراسة انه مقارنة بمشاهدة المرشح نفسه فان عرض المرشح والحزب السياسي المعارض ينتج عنه تغيرات في الاشارات في دوائر التحكم الادراكي في القشرة الامامية (الوحشية) والقشرة الحزامية الامامية، وكذلك في المناطق العاطفية مثل العزلة والقطب الصدغي الامامي. اذ ترتبط الاشارة في هذه المناطق بالتقييمات التي تم الابلاغ عنها ذاتيا للموضوعات حول شعورهم العاطفي تجاه المرشحين, تشير هذه البيانات الى ان نشاط الدماغ عند مشاهدة وجه السياسي يتأثر بالولاء السياسي للمشاهد, وان الناس ينظمون ردود افعالهم العاطفية تجاه المرشحين المعارضين من خلال تنشيط شبكات التحكم المعرفي. وقد اظهرت نتائج الدراسة بوضوح ان المجيبين من الديمقراطيين والجمهوريين اختلفوا في استجاباتهم العاطفية للمرشحين, معربين عن مشاعر سلبية تجاه الخصم ومشاعر ايجابية تجاه مرشحهم.

أما في دراسة عام 2007 (حين كانت الحملة الانتخابية لعام 2008 في اوجها) فقد قام لاكوبوني وزملائه باختيار عشرين شخصا- عشرة رجال وعشرة نساء- ممن صرحوا بأنهم مترددين بشأن التصويت للديمقراطيين او الجمهوريين، وعرضو عليهم وهم يضعون نظارات خاصة صورا ثابتة وصور متحركة لمرشحين مختلفين وفق الترتيب السابق. كما قام المجربون بالطلب الى الاشخاص المشاركين في التجربة تقويم مشاعرهم نحو المرشحين على ” مقياس للمشاعر” مدرج من ” مفضل الى حد كبير” الى ” غير مفضل الى حد كبير”.

كانت النتائج التي توصل اليها علماء الاعصاب مثيرة للاهتمام . ففي دراسة عام 2007 على سبيل المثال لوحظ ان منطقة “اللوزة ” ومنطقة الجزيرة اضاءتا بشكل ملحوظ عندما عرض على الرجال والنساء كلمة (جمهوري) وهاتان المنطقتان مرتبطتان بالقلق والتقزز في حين انهما أضاءتا بدرجة اقل عندما شاهد الرجال والنساء كلمة (ديمقراطي). هذا واثبتت التجربة ان المشاعر منقسمة تجاه السيدة هيلاري كلينتون, بحسب ما كان متوقعا لكن مالم يكن متوقعا هو انهم وجدوا ان هذا الانقسام قائم داخل كل من الحزبين بالقدر الذي هو قائم بينهما, ويصف لاكوبوني وزملائه ما ظهر على هذا المستوى العصبي بقولهم :” ان الناخبين الذين قوموا السيدة كلينتون تقويما سلبيا على الاستبيان لم يكونوا مرتاحين تماما لتقويمهم, حيث ظهر لدى هؤلاء الناخبين نشاطا ملحوظا في القشرة الطوقية الامامية, وهي مركز انفعالي في الدماغ يستثار عندما يشعر الشخص انه مضطر الى السلوك بطريقتين مختلفتين ولكن عليه ان يختار واحدة منهما, فبدأ ان الناخبين كانوا يصارعون دوافع غير معترف بها لقبول السيدة كلينتون”.

كذلك وجد لاكوبوني وزملاءه ان جون ادواردز المرشح الثاني الى جانب هلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي استثار ردود فعل قوية” عندما نظر المشاركون في التجربة الى صور ادواردز ظهر لدى من قوموه تقويما متدنيا نشاطا في منطقة الجزيرة, وهي منطقة مرتبطة بالشعور بالتقزز وغيره من المشاعر السلبية, اما الناخبون المتأرجحون الذين لم يقوموه تقويما متدنيا فانهم عندما نظروا الى صوره الثابتة, اظهروا نشاطا ملحوظا في المناطق الدماغية التي تحتوي خلايا عصبية مرآتية, وهي من الخلايا التي تنشط عندما تنشط عندما يشعر الفرد بالتعاطف مع شخص اخر, ما يوحي ان هؤلاء الناخبين يشعرون بشيء من الارتباط معه”.

واذا كان كابلان وزملائه قد درسوا ردود فعل اشخاص منتمين حزبيا لصور مرشح حزبهم, ومرشح الحزب المعارض , فقد درس درو ويستن وزملائه في جامعة ايموري ما يحدث داخل ادمغة المنتمين حزبيا عندما يتلقون معلومات تزعزع الثقة بمرشح حزبهم من جهة ومرشح الحزب المعارض من جهة اخرى. فقد قام ويستن وزملائه بداية بجلب خمسة عشر فردا من الديمقراطيين المتشددين وخمسة عشر من الجمهوريين المتشددين ممن تتراوح اعمارهم بين 22-55 عام , وعندما كان المشاركون في التجربة يوثقون الى جهاز ” FMRI “ كانوا يتلقون معلومات متناقضة بشكل سافر تنسب الى المرشح غير المفضل, وعلى نحو يكون الاقتباس الاول الذي ينسب الى المرشح يتناقض بوضوح مع الاقتباس الثاني الذي ينسب الى المرشح ذاته.

وقد افترض الباحثون ان هذا الوضع سيؤدي الى استثارة اجزاء الدماغ التي تتعامل مع التناقض والعواطف السلبية على نحو يؤدي الى ازالة التعارض ( او عدم الاتساق في حالة المرشح المفضل) وكان هذا ما جرى التوصل اليه في هذه التجربة فعلا . ويقدم هذا البحث لأول مرة دليلا عصبيا مستقلا بدعم النموذج النظري الخاص بالهوية الحزبية. وهو دليل بارز ومثير للاهتمام ويجدر ان نذكر ان هذه الهوية هي في الاساس رابطة عاطفية او انفعالية بحزب سياسي معين, وقد كان مؤسسو هذه النظرية متأثرين بنظرية الاتساق المعرفي الى حد كبير كما هو واضح كذلك فان دراسة ويستن وزملائه توحي بان الموالين لأحزابهم بقوة يحذفون (او يتغاضون عن) المعلومات غير المرغوب فيه المتعلقة بمرشحهم كما تكشف هذه الدراسة للمرة الاولى ان عملية من هذا النوع في صور المسح الدماغي على نحو ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *