غوستافو بيترو… صوت أمريكا اللاتينية في مواجهة واشنطن وتل أبيب

غوستافو بيترو... صوت أمريكا اللاتينية في مواجهة واشنطن وتل أبيب
خطاب بيترو في نيويورك كشف مقاومة أمريكية اللاتينية للهيمنة، ودافع عن فلسطين بجرأة، محولاً طرده إلى رمز عالمي للشجاعة والقيادة الشعبية، مؤكدًا أن القوة الحقيقية في الانحياز للحق والدفاع عن حقوق الشعوب....

لم يكن خطاب الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو في نيويورك حدثاً عابراً؛ بل مثّل امتداداً لتقليد سياسي طويل في أمريكا اللاتينية، قوامه مقاومة الهيمنة الأمريكية والانحياز إلى قضايا التحرر والعدالة. فالرجل القادم من صفوف النضال اليساري لم يبدّل جلده عندما وصل إلى السلطة، بل حمل معه إرث سيمون بوليفار، وتشي غيفارا، وهوغو تشافيز، وكل رموز القارة الذين جعلوا من مواجهة “الاستعمار الجديد” جوهر مشروعهم السياسي.

تحدٍ مباشر للهيمنة الأمريكية

في كلمته أمام الأمم المتحدة، تجاوز بيترو كل حدود الدبلوماسية المألوفة، ليصفع النظام الدولي بصوت عالٍ، محمّلاً الولايات المتحدة وحلفاءها مسؤولية استمرار المأساة الفلسطينية. لم يكتفِ بالتعاطف، بل دعا الأمم المتحدة إلى “فرض السلام”، وذهب أبعد من ذلك عندما خاطب الجنود الأمريكيين أنفسهم مطالباً إياهم بالعصيان ورفض المشاركة في “حروب ظالمة”. هذه الكلمات لم تُسمع من أي زعيم عربي أو غربي في قلب نيويورك، ولهذا كان وقعها أشبه بقنبلة سياسية أربكت واشنطن.

رد الفعل الأمريكي

تحت ضغط الرئيس الأمريكي السابق – والعائد بقوة – دونالد ترامب، تحركت الأجهزة الأمريكية بسرعة: ألغيت تأشيرة بيترو، وطُلب منه مغادرة نيويورك فوراً، وصدر بيان رسمي يتهمه بالتحريض و”تجاوز حدود حرية التعبير الدبلوماسية”. لكن واشنطن لم تدرك أنها بهذا القرار لم تسكت صوتاً مزعجاً، بل صنعت رمزاً جديداً للمقاومة السياسية.

بيترو في الشارع… لا في القاعة

رفض بيترو أن يغادر في صمت. فبدلاً من المطار، قصد تجمعات المتظاهرين المؤيدة لفلسطين في شوارع نيويورك، وهناك أعلن نفسه أول المتطوعين في “جيش شعبي لتحرير فلسطين”. بهذا الموقف، نقل المعركة من قاعات السياسة المقيّدة إلى فضاء الجماهير الحر، وأثبت أن الزعامة الحقيقية لا تُختبر في الاجتماعات المغلقة بل في مواجهة الشعوب.

ما قام به بيترو ليس مجرد لحظة عاطفية، بل دلالة لموقف وتعبير عن مسار تاريخي متجذّر:

1.إرث بوليفاري: أمريكا اللاتينية طالما رفضت الانصياع لواشنطن، وبيترو يمثل استمراراً لهذا الإرث التحرري.

2.نقد النظام الدولي: موقفه كشف عجز الأمم المتحدة التي تكتفي بالشجب، وأعاد النقاش حول شرعية مؤسسة دولية تعجز عن فرض السلام.

3.فضح الصمت العربي: في وقت يلوذ فيه معظم القادة العرب بالصمت أو المساومات، جاء بيترو ليقول ما كان يجب أن يقال منهم أولاً.

4.تحويل الطرد إلى انتصار: طرده من نيويورك لم يكن إهانة، بل تحوّل إلى شهادة شجاعة ورمز للمواجهة.

بيترو كرمز عالمي حينما دخل بهذا الموقف دائرة الرموز العالمية التي تحدت القوة العظمى، مثل كاسترو وتشافيز. لكنه تميّز عنهم بجرأته في طرح فلسطين قضية مركزية في خطاب مواجهة الاستعمار الجديد، في وقت يسعى فيه كثير من الزعماء إلى تفادي ذكرها أو الاكتفاء بالبيانات.

يمكن القول إن بيترو غادر نيويورك مطروداً جسداً، لكنه بقي حاضراً صوتاً ورمزاً. لقد قدّم للعالم درساً بأن الزعامة الحقيقية لا تُقاس بمدى القرب من واشنطن أو برضا العواصم الكبرى، بل بمدى القدرة على الانحياز للحق في وجه الباطل. وفي لحظة تاريخية، أثبت أن كلمة صادقة يمكن أن تزلزل أركان النظام الدولي أكثر مما تفعله الجيوش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *