تشهد الساحة العراقية، تحديات متجددة في ميدان غير تقليدي للحروب، يُعرف بـ”الحرب الناعمة”. هذه الحرب لا تُدار بالأسلحة التقليدية ولا بميادين المعارك، بل تُمارس عبر الإعلام الموجّه، الحملات الرقمية، الشائعات، واستهداف منظومة القيم والثقة بالمؤسسات. ومحاولات تسقيط واستهداف القيم الأخلاقية والاجتماعية الاصيلة والشخصيات المتصدية ورجال الدين والتي تعد الاساس في حماية مصالح الدولة وأركانها اذا ان خطورتها تتمركز في أنها تسعى لإرباك المجتمع من الداخل، وزرع الشكوك في مستقبل النظام السياسي وقدرة الدولة على النهوض، في وقت ما يزال العراق يواجه استحقاقات كبيرة تتعلق ببناء النظام السياسي وترسيخ التجربة الديمقراطية وتعزيز الاستقرار السياسي وترصينه .
الوعي والحرب الناعمة
إن أخطر ما في الحرب الناعمة أنها تستهدف العقل الجمعي والوعي الشعبي. فهي تعمل على تشتيت الانتباه، تضخيم الأزمات، وإضعاف ثقة المواطن بمؤسساته السياسية والأمنية، بل وحتى بعلاقاته الاجتماعية. وتأتي هذه الحرب متكئة على أدوات التكنولوجيا الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي التي تُستغل لتمرير رسائل مضللة أو خطابات كراهية وشك. وبذلك يصبح المجتمع عرضة للانقسام والتناحر، ما يسهّل التأثير على قراراته المصيرية والتي من اساسها الانتخابات البرلمانية المقبلة التي تعد خطوة مهمة في طريق تثبيت الثابت وتعزيز القوة الاجتماعية ووجودها الحقيقي
مقابل هذه التحديات، يبرز الوعي كخط الدفاع الأول. فالوعي ليس مجرد معرفة، بل هو إدراك ناقد للواقع، وفهم عميق للمخاطر المحيطة، وقدرة على التمييز بين ما يُراد للعراق وبين ما يريده العراقيون لأنفسهم. إن المجتمع الواعي لا يقع فريسة للدعاية المضللة، ولا يسمح للأجندات الخارجية أن تصادر إرادته الوطنية. الوعي اليوم هو المعركة الكبرى التي يخوضها العراق، ونتيجتها تحدد مسار مستقبله فيجيب علينا ان نكون ثابتين في مواقفنا ، محافظين على تاريخنا وإنجازنا الحديث في حربنا على داعش الذي يعد عنوان افتخارنا ونصرنا وان لانكون اداة طيعه بيد العدو الذي يعمل على تشتيت هويتنا واضعاف قوتنا.
إن الانتخابات العراقية المقبلة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الشعب على حماية ديمقراطيته الناشئة. فهي ليست مجرد سباق بين قوائم انتخابية، بل ساحة لتجديد الشرعية السياسية وصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على إرادة الناخب. المشاركة الفاعلة تتيح فرصة لتصحيح المسار السياسي وتقليص نفوذ القوى التي تسعى لفرض أجنداتها بالقوة أو عبر المال السياسي. كما أن نجاح هذه الانتخابات في إنتاج حكومة قوية وفاعلة سيعزز الاستقرار الداخلي ويعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته. إن الإدراك الواعي لأهمية هذه اللحظة التاريخية يجعل من كل صوت انتخابي مسؤولية وطنية وأمانة تجاه الأجيال المقبلة.
في ظل هذا المشهد، تأخذ الانتخابات بُعداً استراتيجياً يتجاوز كونها ممارسة ديمقراطية شكلية. إنها تعبير عن الوعي السياسي والاجتماعي للشعب. المشاركة الناضجة والواعية في الانتخابات تعني أن المواطن العراقي يختار من يمثله بعينٍ مفتوحة على مصلحة الوطن العليا، لا على المصالح الضيقة أو الخطابات الشعبوية. كل صوت انتخابي واعٍ هو بمثابة لبنة في بناء الدولة، ورسالة رفض لمحاولات الإرباك والاختراق.


