الذهب في العراق بين قوة الاحتياطيات وانكسار القوة الشرائية

الذهب في العراق بين قوة الاحتياطيات وانكسار القوة الشرائية
رغم ارتفاع احتياطيات الذهب لدى العراق وتعزيزها للاستقرار المالي، إلا أن انعكاسها على المواطن ضعيف بسبب التضخم وتآكل القوة الشرائية. التحدي يكمن في إدارة هذه الاحتياطيات بفعالية لتحويلها من مخزن قيمة إلى أداة تنمية وعدالة اجتماعية....

الذهب كاحتياطي مركزي

1.قوة مؤسسية: ارتفاع احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي العراقي إلى أكثر من 20% من إجمالي الاحتياطيات النقدية يمثل مكسباً من زاوية الاستقرار المالي.

الذهب يُستخدم دولياً كأداة تحوط ضد تقلبات الدولار والتضخم العالمي، ما يمنح المركزي قدرة أكبر على المناورة النقدية.

  1. حدود القوة: هذه المكاسب تظل “دفترية” لا يشعر بها المواطن، إذ لا تُترجم مباشرة إلى سياسات نقدية أو مالية تخفف من عبء التضخم المحلي. وضعف البنية الإنتاجية يجعل الاحتياطي مجرد “مخزن قيمة” وليس “محرّك تنمية”.

تداعيات ارتفاع الذهب على المواطن

  1. القوة الشرائية وتآكل الدخل:
  • ارتفاع الذهب يوازيه غالباً ارتفاع في أسعار الدولار محلياً (بسبب المضاربات)، مما يؤدي إلى موجات تضخمية تؤثر في أسعار الغذاء والدواء والإيجارات.
  • الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص لم تشهد زيادات متناسبة، ما يعني أن المواطن يخسر فعلياً جزءاً من دخله الشهري.
  1. المدخرات الفردية:
  • الأسر العراقية التي كانت تقتني الذهب كوسيلة ادخار تقليدية تواجه معضلة جديدة: فهي غير قادرة على الشراء بأسعاره المرتفعة، بينما بيع الذهب لم يعد مجزياً مع تضخم أسعار السلع الأخرى.
  • النتيجة: انكماش قدرة الأسر على تكوين ثروات صغيرة أو حماية مدخراتها.
  1. الطبقات الاجتماعية:
  • الطبقة الوسطى، التي تشكل عصب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، تضررت بشكل أكبر لأنها الأكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار وأقل قدرة على التكيف.
  • الطبقات الفقيرة دفعت الثمن الأعلى مع تزايد نسب الفقر وتوسع الفجوة مع أصحاب الدخول المرتفعة.

التداعيات على الاقتصاد الكلي

  1. التضخم المستورد:
  • بحكم اعتماد العراق على الاستيراد بنسبة تفوق 85% لتلبية حاجاته، فإن أي ارتفاع عالمي في الذهب والدولار يُترجم مباشرة إلى تضخم داخلي.
  • هذا التضخم “جامح” لأنه لا يُقابل بزيادة إنتاج محلي أو تحفيز صناعي.
  1. اختلال السيولة:
  • ارتفاع الذهب يفرض على البنك المركزي تخصيص جزء أكبر من سيولته لتثبيت سعر الصرف وحماية الدينار.
  • هذا يحد من قدرة المركزي على تمويل سياسات تنموية أو دعم المصارف الاستثمارية.
  1. تراجع الاستثمار:
  • المستثمر المحلي أو الأجنبي ينظر إلى ارتفاع التضخم وانخفاض القدرة الشرائية كمؤشرات سلبية تحد من الجدوى الاقتصادية لأي مشروع.
  • وهذا يؤدي إلى حلقة مفرغة: ارتفاع الذهب → تضخم → ضعف الطلب المحلي → عزوف استثماري.

إساءة استخدام الاحتياطي النقدي

  1. تكديس بلا فاعلية:
  • الاكتفاء برفع احتياطي الذهب دون وضع آليات لتحويل جزء منه إلى أدوات ادخارية أو استثمارية داخلية.
  1. إدارة أحادية:
  • التركيز على “قوة الدولة” في المؤشرات المالية وتجاهل “ضعف المجتمع” في المؤشرات الاجتماعية.
  1. انعدام الشفافية:
  • غياب بيانات دقيقة عن كيفية إدارة احتياطي الذهب، أو خطط استثماره، يثير شكوكاً حول جدوى السياسة النقدية.

التداعيات الاجتماعية بعيدة المدى

  1. ارتفاع نسب الفقر: يؤدي التضخم إلى دخول شرائح جديدة تحت خط الفقر، خصوصاً الموظفين والعمال اليوميين.
  2. ضعف الأمن الغذائي: ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية يهدد استقرار الأسر ويضعف قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية.
  3. انعدام الثقة المؤسسية: استمرار السياسات النقدية المنحازة للمؤسسة على حساب المواطن قد يولّد فجوة ثقة خطيرة بين الدولة والمجتمع.
  4. هجرة الرساميل: الأفراد يسعون لتحويل مدخراتهم إلى الخارج أو إلى الدولار النقدي، ما يفاقم استنزاف السيولة المحلية.

خيارات وسياسات مقترحة

  1. برامج ادخار مرتبطة بالذهب بإشراف الدولة، تسمح للمواطنين بشراء وحدات صغيرة مرتبطة بالاحتياطي المركزي.
  2. تنويع أدوات الاستثمار باستخدام جزء من الاحتياطيات في مشاريع إنتاجية (طاقة متجددة، زراعة، صناعة دوائية).
  3. ضبط سوق الذهب والعملة عبر تشديد الرقابة على المضاربة ومنع التلاعب بالأسعار.
  4. حماية الفئات الضعيفة من خلال دعم مباشر للسلع الغذائية الأساسية أو تقديم بطاقات تموينية محدثة.
  5. تفعيل الشفافية بنشر تقارير فصلية تبين أين وكيف يُستثمر الاحتياطي الذهبي.

ارتفاع أسعار الذهب في العراق يمثل سيفاً ذا حدين:

  • حد إيجابي عزز الاحتياطيات ورفع قدرة البنك المركزي على مواجهة الأزمات الخارجية.
  • حد سلبي ساهم في تضخم داخلي خانق وتآكل القدرة الشرائية، مع سوء استخدام الاحتياطيات لعدم ترجمتها إلى رفاه اجتماعي أو استقرار معيشي.

إن التحدي الأكبر أمام العراق اليوم ليس في حجم الذهب الذي يملكه، بل في كيفية إدارة هذا الذهب وتحويله من مخزن خامد للقيمة إلى رافعة للتنمية والعدالة الاقتصادية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *