المقدمة:
الانتخابات ليست مجرد إجراء إداري أو مناسبة دورية، بل هي لحظة مفصلية تُحدّد مصير الدولة وموقع المواطن فيها. وفي العراق، حيث التجربة الديمقراطية لا تزال تتلمّس طريقها وسط تحديات داخلية وخارجية، يبرز سؤال جوهري: هل المشاركة الواسعة قادرة على دفع عجلة الإصلاح؟ أم أن المقاطعة تفتح الباب أمام القوى الأقلية لتتسلّق مراكز القرار؟ هنا تتجلى مسؤولية الناخب، لا بوصفه رقماً في سجل انتخابي، بل كفاعل تاريخي قادر على حماية الدولة أو تركها عرضة للتلاعب والهيمنة.
المشاركة أم المقاطعة:
المشاركة في الانتخابات هي ممارسة للسيادة الشعبية، بينما المقاطعة تُضعف الأغلبية وتمنح الأقلية فرصة الهيمنة. حينما تعزف الأكثرية عن التصويت، فإن القوى المنظمة ذات الحضور الإعلامي والتمويل الخارجي تستغل الفراغ، فتتسلّق مراكز القرار بأصوات محدودة، وتفرض إرادتها على الجميع. هذه الديناميكية لا تمنحها شرعية شعبية، لكنها تمنحها سلطة فعلية، ما يجعل الأغلبية عاجزة عن حماية مصالحها، بل مهددة بأن يخمد وجودها السياسي والاجتماعي إلى أجل غير معلوم.
ولعل التاريخ العراقي يقدم مثالًا صارخًا على ذلك. فحين اندلعت ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، قدّمت شرائح واسعة من الشعب، خصوصًا من الوسط والجنوب، تضحيات جسيمة في سبيل التحرر الوطني. ومع ذلك، فإن القوى التي لم تشارك فعليًا في الثورة، استثمرت غياب الأغلبية عن التفاوض، فاقتنصت الفرصة، وتسلّقت إلى السلطة عبر القنوات البريطانية، ثم هيمنت على القرار السياسي لعقود. أما الذين ثاروا ودفعوا الثمن، فقد تم تهميشهم، وظلوا تحت نير التسلط والاستعباد حتى سقوط النظام البائد عام 2003. إن تكرار العزوف الشعبي عن المشاركة السياسية اليوم قد يُفضي إلى إعادة إنتاج تلك المأساة التاريخية، ولكن بصيغة جديدة، يتحمّل تبعاتها من يترك الساحة فارغة، ويمنح غيره فرصة الهيمنة دون مقاومة.
التلاعب وتزوير القاعدة الانتخابية:
لا يقتصر خطر هيمنة الأقلية على ضعف المشاركة فحسب، بل يتعزز بأساليب مشبوهة تهدف إلى تضخيم القاعدة الانتخابية. من أبرز هذه الأساليب ما يُثار حول محاولات تزوير البطاقات الوطنية والانتخابية عبر إدخال أسماء غير عراقية ضمن سجلات الناخبين، بما يثير شبهات حول نزاهة العملية برمتها. هذا التلاعب يشوّه إرادة الناخب الحقيقي، ويضعف ثقة المواطن بجدوى الديمقراطية، فضلًا عن تهديده لسيادة الدولة وأمنها الداخلي. وإذا لم تُواجه هذه الممارسات بحزم ورقابة صارمة، فإن القرار الوطني سيُختطف بيد قوى لا تمثل الإرادة الشعبية.
التعاقد مع شركات اللوبي الأمريكية:
من الوسائل الأخطر التي تلجأ إليها بعض القوى السياسية الأقلية سعيها وراء دعم خارجي، خصوصًا عبر التعاقد مع شركات الضغط (اللوبي) الأمريكية. هذه الشركات تعمل على تلميع صورة تلك القوى أمام مراكز القرار في واشنطن، وتُزيّف الحقائق لتقديمها كممثل شرعي للشعب العراقي. المشكلة لا تكمن في تحسين صورة طرف سياسي، بل في خضوع القرار الوطني لتأثيرات خارجية تُقدّم مصلحة تلك القوى على مصلحة العراق. هذا السلوك يُهدد استقلال البلاد، ويحوّل الانتخابات من ساحة لتجسيد السيادة الوطنية إلى منصة لتكريس النفوذ الأجنبي.
دور الناخب في كسر الحلقة:
وسط هذه التحديات، يبقى الدور الأهم بيد الناخب الواعي. فالمسؤولية لا تقع على مؤسسات الدولة وحدها، بل على المواطن الذي يقرر بوعيه أن يميّز بين المرشح النزيه الوطني، وبين من يسعى لمصالحه الضيقة أو الخارجية. اختيار مرشحين صادقين يرفعون شعار المواطنة الحقيقية ويجسدونها في ممارساتهم، بعيدًا عن الطائفية والحزبية الضيقة، هو الضمانة الأساسية لبناء دولة عادلة وقوية. وإذا نجح الناخبون في ممارسة هذا الدور بوعي ومسؤولية، فإن المسار سيتجه نحو الأفضل، وستزدهر البلاد بوجود الوطنيين المخلصين القادرين على حماية تراب العراق ومياهه وسيادته.
الخاتمة:
الانتخابات ليست مجرد صندوق يفرز أرقامًا، بل هي ساحة تحدي لمصير الدولة. المقاطعة تُضعف الأغلبية وتمنح الأقلية سلطة لا تستحقها، فيما المشاركة الواعية تعيد التوازن وتحمي الوطن من التلاعب والتدخل الخارجي. الناخب العراقي اليوم أمام اختبار تاريخي: إما أن يستسلم لليأس ويترك الساحة للفاسدين والمتلاعبين، أو أن ينهض بوعيه ويصنع مستقبلًا يليق بالعراق، دولة حرة، مستقلة، وعادلة. فإما أن يُكتب للعراق فجرٌ جديد، أو أن يبقى رهينًا لليلٍ لا يُجيد إلا التكرار.


