((أن دور القانون ليس فحسب، تحقيق السلم الأهلي وتمكين الناس من السعي وراء خيرهم الخاص ، من دون اصطدام بعضهم ببعض، مثلما تزعم الليبرالية وإنما أيضا الإسهام في التهذيب الأخلاقي للمجتمع.
أن دور الشارع Legislator هو حمل المواطنين على تحقيق الفضائل وتوجيههم نحو الأعمال التي تُبلغهم الحياة المثلى، وأن الحكومة الصالحة يكون فيها المشرعون حازمين في تصيير الناس فضلاء .))
هذا النص الذي اقتبسته من احد البحوث التي اقرأها يوميا، والذي يمثل فحواه رأي لارسطو وهوبز، ذكرني بمحاضرة القيتها على عدد من المحامين في مؤسسة دار الحكمة في النجف، بينت فيها بان من اهم عوامل انفاذ القانون، وتحقيق مستوى عالي من طاعة القانون في المجتمع، هو بتقعيد المادة القانونية، على قواعد ذات اسس اخلاقية ودينية.
واذا رجعنا الى النص اعلاه، واسقطناه على الممارسة القانونية في مجتمعنا العراقي، سنجد ان احدى اهم عوامل الضعف والنقص في منظومتنا القانونية، وضعف نفاذها في المجتمع، هو ان المشتغلين بالقانون (قضاة، مشرعين، مدعين عامين، محامين، فقهاء دستوريين)، لا يراعون كثيرا قضية تحقيق التهذيب الاخلاقي في المجتمع، فهم بمجملهم، يتعاملون في اختصاصهم هذا، من خلال منظومة قوانين وتشريعات، الكثير منها مقتبس من تشريعات وقوانين وضعت لمجتمعات تختلف مبادئها الاخلاقية والعرفية والدينية عن مجتمعاتنا.
لذا، نجد هذا الخلل المستمر، واضح وجلي، في وجود قطيعة التزام، وقطيعة واجب، وقطيعة مسؤولية، بين هذه الاقطاب الثلاثة : القانون، مشرع القانون، المواطن او المجتمع الذي يجب عليه ان يؤمن بالقانون اولا، ثم يسعى لتطبيقه.
ولكي نقرب صورة او معنى طرحنا اعلاه، اذا انتقلنا الى العرف والسانية العشائرية في المجتمع العشائري، سنجد ان درجة الالتزام بها، والانضباط باخلاقيتها، تكون على درجة اكبر من القانون، وذلك لان القانون العشائري نابع من ارضية عرفية امتزجت فيها القناعة الاخلاقية للمجتمع وافراده، مع مبدأ الالتزام الواضح.
ثانيًا، غالبًا ما يصور مؤيدو السلوكية والوضعية المنطقية حركاتهم على أنها نقاط تحول في تاريخ تخصصاتهم.
على سبيل المثال، جادل الوضعي المنطقي موريس شليك بأن الصراعات القديمة بين أنظمة الفلسفة المختلفة سوف تتبخر بمجرد أن يكشف التحليل المنطقي أن تلك الأنظمة لم تؤكد شيئًا ذا معنى، وبالمثل، يعتقد العديد من علماء السلوك أن السلوكية ستقود علم النفس إلى مسار جديد ومثمر، يمكن من خلاله تجاهل المشكلات النفسية التقليدية (على سبيل المثال، الفكر غير الخيالي، عدد الصفات الحسية)، يضاف لذلك أن كلا من النزعة السلوكية والوضعية المنطقية، رفضتا الخوض في المشاكل التاريخية المتعلقة بتخصصاتهما، باعتبارها مشكلات زائفة.
التشابه الثالث المشترك بينهما، هو القناعة المشتركة بين السلوكيين والوضعيين المناطقة، والتي تذهب إلى ضرورة القضاء على المشاكل التاريخية، وإخراجها خارج الاعتبارات العلمية والتحليلية لكلا المدرستين، وأن ذلك من شأنه أن يمهد السبيل لتحقيق تقدم تدريجي مطرد، وفي كثير من الحالات، كان يُنظر إلى هذا التقدم على أنه كل شيء ولكنه مضمون من خلال التطبيق المتسق لأساليب التحليل المنطقي والبحث السلوكي.
بالإضافة إلى هذه المتوازيات العامة في التوجه الفكري، تشترك النزعة السلوكية والوضعية المنطقية في أسلوب مشترك كحركات منهجية علمية دقيقة، كلاهما كانا عالميين و”صارمين” بالمعنى المعروف للمصطلح لدى ويليام جيمس. في ضوء رفضهم للمشاكل التاريخية لأنظمتهم، كان ينظر إلى الحركتين من الداخل والخارج على أنهما تطوران راديكاليان، ونتيجة لذلك، تم تصدير كليهما بخطاب وتعريف علمي ينحو نحو التطرف والمبالغة، نظرًا لأن كلاهما نشأ في بيئات فكرية معادية للمثالية إلى حد ما، فقد تم الدفاع عنهما بطريقة تميل للعدائية والجدالية.
كلا الحركتين كان يُنظر إليهما على أنهما يمثلان قفزة مهمة في تأريخ تطر الفكر البشري، وتم التعامل معهما على إنهما مفاتيح للتقدم في مجال تخصصهما، وهذا قاد إلى قيام علماء السلوك والوضعيين المنطقيين على حد سواء بالتعبير عن ادعاءات متفائلة بشدة حول الفوائد المستقبلية لدراسة الحالة الوضعية للسلوك، بناءً على افتراضاتهم المسبقة.
تم الإعلان عن السلوكية رسميًا قبل حوالي خمسة عشر عامًا من التأسيس الرسمي للوضعية المنطقية، لكن أوجه الشبه التاريخية بين الحركتين كانت أقرب بكثير مما توحي به هذه الحقيقة؛ فقد نشأت كلتا الحركتين من أفكار بدأت في الاندماج في عام 1910 من سلالات مختلفة من الفكر في أواخر القرن التاسع عشر، وفي كلتا الحالتين، اتخذت هذه الأفكار شكلاً أكثر تحديدًا في نهاية عشرينات القرن العشرين، ثم ازدهرت في الثلاثينيات.
بحلول أواخر الثلاثينيات، كان من الواضح أن كلا المدرستين، كانت تمثل التوجهات المهيمنة، كل في مجال تخصصه، (في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، على الأقل)، واستمرت فترات صعودهما خلال الأربعينيات. وفي منتصف الثلاثينيات، بدأت كلتا الحركتين في إخضاع مناهجهما التي تمثلت في الصي التأسيسية الأولى، إلى صيغة أكثر صرامة.
مع خلفيتهما الفكرية المشتركة وتوجهاتهما الوضعية التجريبية المباشرة، كانت المدرسة السلوكية والوضعية المنطقية تميلان بشكل طبيعي لتشكيل نوع من التحالف، ولكن هذا التحالف نشأ بعد فترات طويلة من العمل الدءوب من أجل تنقية مناهجهما عن أي ذاتية استبطانية أو فلسفية تقليدية، وقبل تصاعد الاهتمام المشترك بينهما في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت النزعة السلوكية محصورة في الغالب في أمريكا ولم تكن الوضعية المنطقية معروفة إلا قليلاً خارج أجزاء معينة من أوروبا الوسطى.
انتهت هذه العزلة الجغرافية خلال الثلاثينيات عندما بدأ نوعان من الأحداث بالظهور. أولاً، سافر بعض علماء السلوكية البارزين إلى أوروبا، حيث واجهوا الوضعية المنطقية، وانخرطوا لاحقًا في حركة الوضعية المنطقية للعلم. ثانيًا، وهو الأهم، شهدت الثلاثينيات وصول كبار الوضعيين إلى أمريكا أثناء هجرة المثقفين الأوروبيين قبل الحرب.
بعد الهجرة الفكرية، كانت هناك تفاعلات شخصية، وأحيانًا تعاون مهني، بين السلوكيين والوضعيين المناطقة؛ أخيرًا، سيطرت على علم النفس الأمريكي ككل وجهة نظر علمية تزامنت في مخطط عريض مع وجهة النظر المشتركة للسلوكيين والمعتقدات الخاصة بالوضعية المنطقية، ففي مجلات علم النفس الأمريكية في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، انعكس هذا التكتيك في القدر الكبير من النقاش الذي تم التصويت عليه لمسائل مثل بناء النظرية، والنزعة العملية، والمسلمات النظرية، ولغة البيانات المادية. لقد أُطلق على هذه الفترة من الاهتمام النشط من جانب علماء النفس الأمريكيين مع فلسفة ومنهجية العلم اسم “عصر النظرية”.


