فضيحة إصدار البطاقات الوطنية للسوريين في الأنبار
بعد الأخبار الواردة عن القبض على عدد غير محدود من السوريين يحملون بطاقات وطنية موحدة صادرة من مديريات الجنسية في محافظة الأنبار، يتساءل المرء: ماذا استفدنا من إنفاق مليارات الدنانير لتعزيز القدرات الدفاعية للقوات الأمنية على الشريط الحدودي العراقي السوري؟ حفر السواتر، رص الصّبات الكونكريتية، نصب الأسلاك الشائكة، ووضع كاميرات حرارية، وتعزيز القوات الموجودة هناك، كل ذلك لمنع عبور “الدواعش” وغيرهم من الجانبين وللسيطرة على الحدود بشكل كامل، كأننا أعدنا بناء سور الصين العظيم! لكن ماذا استفدنا من هذا كله إذا كانت المشكلة داخلية؟
من طرح فكرة هذا البناء، وإن كانت خطوة صحيحة كخطوة أولى، لم يأخذ العبرة من قصة سور الصين العظيم الذي كان يعتليه مئات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح لصد الغزاة من الخارج. ورغم ذلك، سقطت الصين لأكثر من مرة بيد الغزاة القادمين من خارج السور دون إراقة قطرة دم واحدة، ودون استخدام الأسلحة الكبيرة أو الهجمات المدمرة! كل ما تطلبه الأمر هو تحريك بعض العملاء أو الجواسيس في الداخل للإخلال بالنظام وإرباك الأوضاع الداخلية، تمهيدًا لدخول قوات الأعداء بلا حرب ولا قتال.
المشكلة في ذلك الزمان، كما هو الحال الآن في العراق، لم تكن خارجية. وإن كانت الإجراءات صحيحة لتعويق حركة الأعداء، فإن المشكلة الأكبر هي أن يكون العدو قد اخترق كل الحواجز بسبب العملاء، أو الغفلة، أو تسليم الأمور بيد من لا يؤتمن. اليوم، بنينا سورًا على الحدود وعززناه بقطعات من الجيش، والشرطة الاتحادية، وشرطة الحدود، والحشد الشعبي، ووضعنا كل قدراتنا العسكرية والأمنية والاقتصادية لتقوية ذلك السور. ثم نفاجأ بخبر صادم أن هناك آلاف السوريين قد أُصدرت لهم بطاقات وطنية موحدة بواسطة ضباط ومراتب في دوائر الجنسية في محافظة الأنبار، وكأن الأنبار لا تعمل بنظام الدولة العراقية وقوانينها، وكأنها تعيش ضمن حدود الدولة السورية!
فساد داخلي: اختراق النظام من الداخل
ضباط ومراتب من وزارة الداخلية في محافظة الأنبار، وقيادات حزبية في المحافظة، شاركوا في “الصفقة” بإصدار موافقات خاصة، حسب قول أحدهم، والبقية تكفلت بإصدار البطاقات مع كل ما يتطلب ذلك من معاملات روتينية: أوراق ثبوتية، مستمسكات (جنسية، شهادة جنسية، بطاقة سكن، تأييد من المجلس البلدي، موافقة الأمن الوطني، وغيرها)، حجز إلكتروني، مواعيد، تصوير، وجامكيت بصمات. ومع كل هذا الروتين الذي عانينا منه في إصدار البطاقة لأنفسنا وعوائلنا، إلا أن هذه “العصابة” أصدرت البطاقات الوطنية الموحدة للسوريين دون أي تأخير!
يعني، كما يقال، “من الشجرة للخلاط”! وكأن أهل الأنبار ليسوا أهل كرم، وعلى قولة ذاك الرجل: “بالحرام متفجر روحك إلا أطلعلك بطاقة موحدة حتى لو ذابح أبوي وأخوي”!
دوافع الفساد: مالية أم انتخابية؟
معقولة! دولة تصرف مليارات لتحمي الحدود من الأعداء والدخلاء، ثم نجد أن طرفًا آخر يصدر بطاقات وطنية موحدة لمواطنين من بلد آخر، متهم بتصدير الإرهاب لتخريب بلده ووطنه، بلا حسيب ولا رقيب! إذا لم يكن هؤلاء الضباط والمراتب ومن معهم ومن يقف إلى جانبهم عملاء وخونة، فكيف يكون شكل العملاء والخونة ولونهم؟
بعد الفضيحة ونشر خبر القبض على الضباط والمراتب من أفراد مديرية جنسية الأنبار، قال البعض إن عملية إصدار البطاقات للسوريين كانت لتسهيل تحركاتهم وعبورهم بين السيطرات، وأن أسباب تواطؤ ضباط الجنسية كانت بدوافع مالية. والبعض الآخر يقول إن العملية كانت للحصول على أصواتهم في الانتخابات القادمة، مع أن القضية ستتطلب مستقبلاً التسجيل والتحديث في مفوضية الانتخابات للحصول على بطاقة ناخب.
يعني، كما يقال، “فرة ثانية”! جيد، فهل بالإمكان أن تخبرونا عن الجهة الحزبية السنية التي سهلت إصدار تلك البطاقات للسوريين، والتي ستسهل لهم لاحقًا إصدار بطاقات الانتخاب ليشاركوا في الانتخابات لصالحها؟ وعلى الأقل، لتمنع هذه الجهة من المشاركة في الانتخابات!
تقزيم القضية: إرهاب أم تزوير؟
لكن هذا تقزيم للقضية. فمن يسهل عليه إصدار بطاقة وطنية موحدة، سيكون من الأسهل عليه إصدار بطاقة ناخب. فلماذا لم يصدرها منذ البداية وينتهي الأمر إذا كان الموضوع متعلق بالانتخابات؟ وكذلك، فإن مسألة الانتخابات في المناطق الغربية محسومة أصلاً للقوائم السنية مهما كانت توجهاتها، ولا يصل بهم الأمر والحاجة إلى تجنيس السوريين وإصدار بطاقات موحدة لهم، ثم إصدار بطاقات ناخب لهم لاحقًا لأجل مشاركتهم في الانتخابات.
المفروض، في مثل هذه الظروف الحساسة والخطيرة التي نمر بها حاليًا، أن على القضاء العادل ووزارة الداخلية ومؤسساتنا العسكرية والأمنية أن ينظروا إلى الموضوع بشكل أدق وأعمق، وأن يعتبروا المسألة متعلقة بدعم الإرهاب، وليس قضية “تزوير” يمكن تجاوزها وتكييفها قانونيًا ليخرج المتهمون فيها لاحقًا، كما خرج غيرهم من الإرهابيين بناء على قانون العفو الأخير.
ألا يكفي أن إرهابييهم و”دواعشهم” أصبحوا مسجلين في مؤسسة الشهداء، ويستلمون رواتب وتعويضات، ويركبون “الجكسارات”؟
ضرورة التحقيق العميق والمحاسبة
إن هذه القضية تتطلب تحقيقًا جديًا وشفافًا لكشف الأطراف المتورطة، سواء كانت دوافعها مالية أم سياسية أم مرتبطة بالإرهاب. يجب أن تُحاسب الأطراف المتورطة بصرامة، بما في ذلك الضباط، المراتب، والقيادات الحزبية، لضمان عدم تكرار مثل هذه الاختراقات التي تهدد الأمن القومي. إن إصدار بطاقات وطنية موحدة لأجانب في ظل هذه الظروف ليس مجرد فساد إداري، بل هو تهديد مباشر لاستقرار العراق وسيادته.


