في زمنٍ لا يرحم، تتبدّى الحقائق عاريةً كحدّ السيف، وتقول لنا بوقاحةٍ فاضحةٍ: لم تعد إسرائيل تقيم وزناً لأحدٍ في هذا الشرق الذي اهترأ من فرط الخوف والتبعية. وليس أخطر في هذا الاعتداء السافر على قطر، يا سادة، في استهدافها ككيان جغرافي، بل في النظرة الدونية التي باتت إسرائيل ترمق بها هذه الإمارة، وربما كل كيان عربي يتوهم السيادة.
لو كانت إسرائيل تتخيل أن المساس بالسيادة القطرية سيخسرها واحداً بالمئة من رصيدها، لربما أمعنت في حساباتها الدقيقة، ولوازنت بين لذة اغتيال قادة حماس من جهة، وبين ما سيترتب على هذا الفعل من “غضبةٍ” قطريةٍ – إن وجدت! – من جهة أخرى. لكن الأكيد، بل المؤكد المرير، أن إسرائيل ارتأت اليوم، بعين الازدراء وروح الاستعلاء، أن اغتيال قادة حماس، ولو كان بينهم أمير قطر نفسه – لا قدر الله – لن يؤجل قصفها ثانيةً واحدة. هذه رسالةٌ خطيرةٌ، بل هي إعلانٌ صريحٌ بأن لا سقف ولا حماية لأي زعيمٍ عربي، حتى لو كان يدعي التحالف أو التواصل مع تل أبيب.
أكرر وأشدد: أن تقوم إسرائيل بالاعتداء على قطر، أحد مصدري الغاز الرئيسيين في العالم، والدولة التي ظلت، لزمن غير بعيد، الوسيط الوحيد القادر على “صناعة الفارق” في معادلة المنطقة، خاصةً بين العرب والإسرائيليين، يعني ببساطة: إخراج قطر من كل المعادلات السياسية والاقتصادية. هذا ليس حدثاً عابراً، بل هو زلزالٌ يتجاوز حدود الدوحة، ويطال في ارتداداته كل عاصمةٍ عربيةٍ لا تزال تحتفظ ببعضٍ من كرامةٍ أو بعضٍ من غاز ونفط.
هشاشة القوة العربية أمام الهيمنة
ما حدث في قطر، يا سادتي، هو إعلان حربٍ، ليست على قطر وحدها، بل على كل دولةٍ، بما فيها تركيا، وعلى كل فريقٍ أو كيانٍ “يتقارب” مع حماس. لم يعد الأمر يتطلب دعماً أو تعاطفاً، بل مجرد “تقارب” أو “تواصل”، يصبح مصيره الموت! إنها رسالةٌ دامغةٌ بأن هامش المناورة العربي قد تقلص إلى درجة الصفر، وأن كل من يحاول أن يلعب لعبة الأوراق المتعددة، سيجد نفسه مطوّقاً بخيوط القدر الإسرائيلي.
وهناك امور ربما تعيد بعض التوازن العربي:
أولاً: لنتوقف عن وهْم أن أمريكا ستتضرر من انهيار دول الخليج. أمريكا، ببساطةٍ وحرفيةٍ رأسماليةٍ، ستحجز آلاف مليارات الدولارات وتضمها إلى ميزانيتها، أو ربما “تتلفها” ببرودٍ تجنباً للتضخم المالي. لا تنزعج أمريكا، ولا تأسف أوروبا على سقوط الدول العربية، تماماً كما لم تأسف على سقوط ليبيا، لتندفع شركاتها للسيطرة على منصات الغاز والنفط.
العالم، يا رفاق، لن يحزن أبداً على دمار عالمٍ عربيٍ لم ينتج، في قرنه العشرين، سوى “داعش” وأخواتها! أين أينشتايناتنا؟ أين فلاسفتنا الذين يحركون العالم كله؟ أين عباقرتنا في الفضاء واختراع التقنيات أو إنتاج الدواء؟ خسارةُ من منهم ستُفقد العالم شيئاً؟ الجواب قاسٍ: لا شيء!
لقد ارتكبت “داعش” الجرائم بحق الآثار والإنسان والتطور، وهجرت الأقليات ودمرت التعليم. فكيف لعاقلٍ أن يتوقع من زعيمٍ أو فيلسوفٍ غربيٍ أن يحزن على سوريا، بعدما جرى ويجري بين أبناء الشعب الواحد؟ أيُّ سياسيٍ أو اقتصاديٍ مرموقٍ ومحترمٍ في العالم سيذرف دمعةً على انهيار عالمٍ عربيٍ يشاهد فيه آلاف مليارات الدولارات تُهدر، على مر العقود، في ملذاتٍ شخصيةٍ تافهة؟ في قصورٍ باذخةٍ، وسياراتٍ فارهةٍ، وعطورٍ لا تغني ولا تسمن من جوع، بينما رئيسٌ كأوباما لم يجد من السيولة ما يسمح له بشراء بيتٍ متواضعٍ بعد دورتين رئاسيتين لأمريكا!
أين مال النفط الذي أنتجناه؟ في الصناعة؟ في الإنتاج؟ في التطور التقني والعلمي؟ لا والله! لقد أنتج هذا المال عواصم مدمرة: ليبيا، بيروت، دمشق، بغداد، صنعاء، الخرطوم. أما مصر والأردن، فيعيشان على المساعدات، بينما لن يبقى من فلسطين إلا إسرائيل التي تتوسع يومياً.
الخطورة ليست في الاعتداء السافر على سيادة قطر وحسب، بل في الكيفية التي بات العالم ينظر بها إلى القيادات العربية وإلى “سيادة” هذه الدول. كل ما تملكه الدول العربية من جيوشٍ وأسلحةٍ، أصبح اليوم، في نظر إسرائيل والغرب، مجرد “خردة” أو أثقالٍ معدنيةٍ صدئةٍ، لن تغير في المعادلة واحداً بالمئة!
كم يجب ان تعلموا، أنكم حتى لو استقلتم جميعاً، وغادرتم أوطانكم ظناً منكم أنكم ستنجون بحياتكم، فإن النظام العالمي الجديد لن يترككم. نصيحتي إليكم، نصيحة رجلٍ فهم هذا النظام العالمي:
عودة النخب ووقف الإعلام التحريضي
يجب عودة النخب، تلك النخب التي كانت خلاصنا الوحيد.
يجب وقف الفضائيات الدينية وتغيير الإعلام، كل الإعلام! لا أقصد فقط إعلام دول الخليج، بل كل إعلامٍ يحرض ويزعزع استقرار المكونات العربية. اليوم، 90% من نقاشاتنا على السوشيال ميديا تدور حول التكفير والتشكيك والتخوين.


