من حق العراقيين أن يتساءلوا: لماذا تُقيم دول كبرى سفارات قوية في بغداد، بينما لا نملك نحن تمثيلاً فاعلاً في عواصمها ؟
منذ سنوات والعراق يعيش مفارقة موجعة في علاقاته الدبلوماسية، حيث توجد دول كبرى وإقليمية لديها تمثيل بدرجة سفير في بغداد، بينما يفتقد العراق لتمثيل مماثل في عواصمها، وهذه الفجوة لم تكن مجرد خلل بروتوكولي، بل انعكست على وزن العراق في الخارج، حتى بدا وكأنه بلد “مُستقبِل” أكثر من كونه “مُبادِر”.
ولهذا تعتبر خطوة تعيين سفراء عراقيين جدد ليست مجرد تكليف أسماء، بل هي محاولة جادة لسد هذا الفراغ واستعادة التوازن في معادلة العلاقات الدولية، فالدبلوماسية، كما يقال، هي الوجه الآخر للسيادة، من ناحية كيف يمكن أن يكون للعراق صوت قوي في الملفات الإقليمية والدولية، وهو يفتقر أحياناً إلى حضور رسمي فاعل؟
نحو دبلوماسية هجومية استباقية
وكما هو معروف أن التمثيل ليس شكلاً بل قوة، ووجود سفير في أي دولة ليس مجرد مقعداً شاغراً في مبنى أنيق، بل هو امتداد لنفوذ الدولة، والسفير هو صانع علاقات، ومفاوض باسم الوطن، ومُدافع عن مصالح شعبه، وحين يغيب هذا الصوت، يصبح البلد في موقع المتلقي بدل المشارك، ويترك فراغاً تستغله قوى أخرى.
ولقد اعتدنا أن تكون سياستنا الخارجية رد فعل للأحداث، لا صانعة لها، الأمر الذي يفرض أن يكون العراق بحاجة إلى دبلوماسية هجومية لا دفاعية، والسفراء الجدد أمامهم فرصة تاريخية لتغيير هذه المعادلة بأن ينتقلوا من تمثيل محدود إلى حضور مبادر، وأن يطرقوا الأبواب بدلاً من انتظار الدعوات، وأن يحوّلوا السفارات من دوائر روتينية إلى منصات حقيقية للتأثير.
السفير جسرٌ اقتصادي وثقافي
ولا تقتصر مهمة السفير على الشؤون السياسية فحسب، بل تتعداها إلى كونها قاطرة للتعاون الاقتصادي والاستثماري ونافذة ثقافية تبرز الصورة الحقيقية للعراق الجديد. إن عواصم العالم تحتاج إلى سفراء يعملون كرواد أعمال دبلوماسيين، يجذبون الشركات ويسوقون للفرص الاستثمارية الهائلة التي يزخر بها بلدنا، ويعملون على بناء تحالفات استراتيجية تعود بالنفع المباشر على الاقتصاد العراقي وتنويع مصادره، مما يعزز مكانتنا ويحقق أمننا الوطني الشامل.
وبالتالي من حق العراقيين أن يتساءلوا: لماذا تُقيم دول كبرى سفارات قوية في بغداد، بينما لا نملك نحن تمثيلاً فاعلاً في عواصمها؟ وهل يعقل أن بلد الحضارات، صاحب الثروات الهائلة والموقع الاستراتيجي، يبقى صوته خافتاً في الخارج؟ لكون هذه المفارقة وحدها تكفي لتوليد شعور باللاعدالة الوطنية، ولعل التغيير الجديد يعيد بعض التوازن المفقود.ومن هنا أرى أن هذه الخطوة يجب أن تكون بداية لإستراتيجية شاملة، لا مجرد دفعة من التعيينات، والمطلوب هو تقييم مستمر للأداء، وربط بقاء السفير بمدى إنجازه، فالسفارة التي لا تجلب استثماراً، ولا تفتح باب تعاون، ولا تنقل صورة مشرقة لل العراق، هي في الواقع عبء على الدولة.
واليوم، ومع تعيين سفراء جدد، يملك العراق فرصة ذهبية ليكسر قاعدة “نحن مستقبِلون فقط”، باعتبار أن العالم ينتظر صوت العراق، ولكن السؤال: هل نملك الشجاعة لتحويل هذه الخطوة إلى مسار ثابت، يعيد للعراق مكانته التي يستحقها، لا كبلدٍ يتلقى السفراء، بل كدولة تُرسِل سفراءها وتُسمع كلمتها حيث ينبغي أن تُسمع.


