إعلانات بلا معنى وواقع تجاري يزداد تعقيدًا
يبدو أن البنك المركزي العراقي قد استسهل سياسة البيانات الإعلامية والإعلانات المتكررة عن “إطلاق خدمات جديدة”، فيما الواقع التجاري والمصرفي لا يلمس أي تغيير حقيقي. فآخر هذه التصريحات يتعلق بخدمات المحافظ الإلكترونية والتحويلات التبادلية، التي صُوّرت على أنها “قفزة نوعية”، بينما يعرف التاجر والمواطن أن هذه ليست إلا شعارات مكررة لذر الرماد في العيون. هل تغيّر واقع أعمالكم بعد عشرات الكتب والعمامات والبيانات الصادرة من البنك المركزي منذ أكثر من عامين؟ هل خفّت الأزمات التي تعانون منها يوميًا عند الاستيراد والتحويل والتعامل بالدولار؟ هل وجدتم حلولًا حقيقية لمشاكل السوق وتذبذب الأسعار وعرقلة دخول البضائع في المنافذ؟ الجواب واضح: لا شيء تغيّر.
تناقض بين التصريحات والواقع
الشمول المالي: البنك المركزي يروّج أن المحافظ الإلكترونية ستوسع دائرة الشمول المالي، بينما الحقيقة أن أكثر من 80% من التعاملات في السوق العراقي ما زالت نقدية (Cash) بسبب فقدان الثقة بالبنوك وعدم وجود ضمانات حقيقية للمستخدمين.
التحول الرقمي المعلن: كيف نتحدث عن التحول الرقمي بينما حتى المنصة الإلكترونية لتحويل الدولار سبّبت أزمات خانقة للتجار وأربكت السوق، بدل أن تسهّل العمل؟
دعم قطاع الأعمال: أي دعم يقصده البنك المركزي والتاجر اليوم عاجز عن إدخال بضاعته في التوقيت المناسب بسبب القرارات المرتبكة والروتين وتعقيدات المنصة؟
الثقة المفقودة: لا المواطن ولا التاجر مستعد لوضع أمواله في محافظ إلكترونية مرتبطة بمنظومة مصرفية فشلت في حماية الودائع وضبط سعر الصرف.
أين تكمن الحقيقة؟
الحقيقة أن هذه التصريحات ليست سوى محاولات إعلامية لتغطية الإخفاقات:
- إخفاق في ضبط استقرار سعر الصرف.
- إخفاق في تأمين سيولة كافية للأسواق.
- إخفاق في خلق سياسة نقدية واضحة تقود الاقتصاد.
- فشل في حماية التاجر من القرارات المفاجئة التي تضر باستيراده وتجارته.
ما يريده التاجر والمواطن:
- استقرار السوق أولًا: لا قيمة لأي خدمة رقمية دون استقرار سعر الصرف وثبات القواعد التجارية.
- إصلاح حقيقي للقطاع المصرفي: ليس عبر بيانات صحفية، بل عبر قوانين وضمانات تحمي الودائع والتحويلات.
- حماية التجارة: عبر تسهيل إجراءات التحويل والاستيراد، وليس عبر تعطيلها بقرارات غير مدروسة.
- شفافية كاملة: بدلًا من العمامات المليئة بالوعود الفضفاضة، يجب إعلان خطوات عملية واضحة بمواعيد ملزمة ونتائج قابلة للقياس.
اعلموا أن هذه العمامات والبيانات لا تغيّر واقع السوق ولا تفتح بابًا مغلقًا أمام بضائعكم. ما ينفعكم هو موقف موحّد يطالب بإصلاح جذري للسياسة النقدية، ويضغط على صانعي القرار لإيقاف لعبة التصريحات والإعلانات الإعلامية التي لا تسندها أسس علمية ولا عملية. فمن غير المعقول أن يستمر البنك المركزي في مخاطبة الإعلام بدلًا من مخاطبة السوق، وأن يراهن على “المحافظ الإلكترونية” بينما الاقتصاد الحقيقي ينهار تحت وطأة التذبذب والعشوائية.


