التقييم الحيادي

التقييم الحيادي
يدعو التقييم الحيادي إلى فصل الأداء الاقتصادي عن الانتماءات السياسية، وقياس المشاريع بمؤشرات الكفاءة والعائد والاستدامة، مع ضرورة استكمال منجزات الحكومات السابقة وعدم هدمها، لضمان تراكم التنمية واستفادة الأجيال المقبلة من ثمارها....

تقييم الظواهر والمنجزات المتحققة على الأرض، وكذلك السلبيات، من وجهة نظر الاقتصادي، تختلف عن المنظور السياسي للتقييم. ولذلك اختططت لنفسي أسلوبًا في التقييم ورصد الظواهر المختلفة. أسلوب حيادي بعيد عن المديح المفرط والقذف المسيء وطرح الآراء على ما هي، في كل حالة.

المنظور الاقتصادي للتقييم

معروف أن رضا الناس غاية لا تبتغى، لذلك تجد تقييم الظواهر مختلفًا، وفقًا لرؤى وثقافة كل شخص، وهنا ينظر للمنجز من زاوية المصلحة الشخصية الآنية، ولا ينظر للنتائج المستقبلية التي تنعكس في حياة المجتمع.

هذه النظرة الضيقة خاطئة، تتغلب فيها أنانية الأنا، ولا مصلحة لي بالآخرين. وتلك ثقافة ضيقة تكرست – للأسف – وهي واحدة من أهم أسباب تراجع التطور والتقدم. ولتحليل هذه النظرية، يمكن قراءتها من خلال المنظور الاقتصادي للتقييم الحيادي.

استمرارية المنجزات الحكومية

وهنا لنقيّم تجربة الحكومة الحالية، وذلك لقرب نهاية ولايتها، واستقراء وتوقع ما سينتج عنها، لنستدل بفكرة التقييم الحيادي ومفهومه. ما قدم خلال هذه المرحلة من إنجازات وقرارات ومحاولات ومشروعات متنوعة، منها خدمية آنية، ومنها ستراتيجية لا نتلمس نتائجها في المستقبل القريب، لا تجيّر بشخص رئيس الوزراء، إنما تسجل في مرحلة ولايته ….كيف؟

من منظور تحليلي اقتصادي، فإن تقييم الأداء الحكومي يجب أن يعتمد على معايير الكفاءة الاقتصادية والفنية وليس الانتماءات السياسية. فالمشاريع الاستراتيجية يجب قياسها بمؤشرات الكفاءة الاقتصادية مثل: العائد على الاستثمار، تأثيرها على الناتج المحلي الإجمالي، مساهمتها في خلق فرص العمل، واستدامتها المالية. التقييم الحيادي يعني فصل التقييم التقني عن الهوى السياسي، والتركيز على القيمة الاقتصادية المضافة للمشاريع بغض النظر عن الجهة المنفذة.

إن مسؤولية الرئيس هي مسؤولية قيادية، تتحدد نجاحاتها بالتخطيط والإقرار والمتابعة، أما تنفيذ هذه المشروعات (المنجزات) فتنفذ من قبل الأجهزة التنفيذية والخدمية، وهي صاحبة الفضل في هذا المنجز كقدرات إدارية، ولما كانت هذه الأجهزة جزءًا من أبناء الشعب، فإن المنجزات شعبية، وهي نجاحات إدارية.

لذلك يتعين على أية حكومة مقبلة المحافظة على ما أنجز، والاستمرار في تكملة المشوار، لا أن تذهب وتلغي كل شيء بحجة أنها من منجزات الرئيس، وهذا تقييم خاطئ. فقد كانت تجربتنا السابقة تصب في هذا المنحى من التقييم الخاطئ، فتكاد كل حكومة البدء من الصفر، والنتيجة أن البلاد بقيت تراوح في محلها دون أي إنجاز يذكر، لا بل بات مؤشرًا للفشل.

هذه الحقيقية يجب أن نضعها بعين الاعتبار إذا أردنا أن نبني وطنّا، فالواحد يكمل ما بناه الآخر، لا أن يهدم كل شيء وتتضاعف الخسائر. فالذي تحقق من مشاريع خدمية متمثلة بالبنية التحققة، كالجسور والمجسرات وتوسعة الطرق وتبليطها مجددًا، على سبيل المثال، كلها إنجازات تعرضت لتقييمات عدة، وفقًا لرؤى المقيّمين لكنها منجزات حقيقية على الأرض، المطلوب الشروع باستكمالها.

قد ينظر إلى أن حجم القرارات والمشروعات، التي أقرت في هذه المرحلة، أكبر من الإمكانات التنفيذية المتوفرة، لكن هذا مدعاة لأن تستمر الجهود لاستكمالها، والنتائج ستتلمسها أجيال قادمة. هذا هو التقييم المنصف والعادل للمنجزات، بعيدًا عن قصر النظر في التقييم الذي يؤخر بناء البلدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *