في الانتخابات مجلس نواب جديد ما الجديد؟

في الانتخابات مجلس نواب جديد ما الجديد؟
يرى جون ستيوارت ميل أن اللامبالاة الشعبية، شراء الأصوات، وسيطرة الشخصيات الكاريزمية تهدم الحكم النيابي، وهي علل تنطبق بوضوح على التجربة العراقية بعد 2003 حيث تفشى الفساد وتراجع الإقبال الانتخابي وخضع الناخبون لتوجيهات دينية...

في كتابه “آراء في الحكم النيابي”، يصف الفيلسوف الإنكليزي جون ستيوارت ميل 1806-1873، يصف صورة الحكم الحسنة من وجهة نظره بأنها هي صورة “الحكم النيابي”، ويحدد معيار هذه الصورة بأنها “مصلحة المجتمع”، لكنه لا ينسى ان تكون “الأنظمة النيابية” عديمة القيمة، وتتحول الى مجرد أداة “للطغيان والتآمر”، عندما يكون “عموم الناخبين غير مهتمين بحكومتهم ليدلوا بأصواتهم… وإذا ادلوا بأصواتهم أصلا، لا يعطونها على أسس عامة بل يبيعونها بالمال.. او يصوتون كما يشير عليهم شخص له عليهم سيطرة” ويختم ميل كلمته بالقول “فالانتخابات التي تجري بهذه الطريقة لا تكون ضمانا ضد سوء الحكم، بل عجلة إضافية في جهازه”.

انهيار الحكم النيابي

ستيوارت ميل يستنتج ثلاث قضايا لو حصلت فأنها تدمر الحكم النيابي، ولو اننا نظرنا الى تلك القضايا التي حددها ميل وطبقناها على ما مر به العراق منذ تجربة الحكم النيابي “الإسلامي والقومي” بعد 2003، وبمرور خمس دورات انتخابية، لرأينا مدى صدق هذه القراءة “الستيوارتية”.

أولى هذه القضايا هي “اللامبالاة عند الناخبين”، هذه النقطة تجسدت كثيرا بالولاية الثانية للمالكي، فقد استشرى الفساد والنهب بشكل غير مسبوق، وعم الخراب كل مؤسسات الدولة، فبدأت لا مبالاة “شعبية” تتفشى بين الناس، وصلت ذروتها في انتخابات 2021، فقد تراوحت نسب المشتركين بالانتخابات نسبة من 12-18% من عموم الناخبين، وقد دلت على عزوف جماهيري كبير، بل انها افقدت العملية السياسية أحد ركائزها المهمة.

الفساد وتلاعب الأصوات

ثاني تلك الشروط هي “بيع الأصوات بالمال”، وهذه القضية تحولت الى علنية، وبدأت القوى الإسلامية والقومية بممارستها جهارا نهارا، بل ان بعض القوى حصلت على العديد من المقاعد بهذه الطريقة، وقد استخدموا طرق مختلفة بشراء أصوات الناخبين؛ والناخبين من جهتهم الذين يلفهم الإحباط واليأس من أي تغيير عبر الانتخابات كانوا-وما زالوا- يرددون “هم هيج هيج صاعدين فخلي نحصل چم فلس أحسن”، وهذه القاعدة لا زالت موجودة، ولا زالت القوى الإسلامية تستخدمها.

اما الشرط الثالث لتهديم صورة الحكم النيابي فهي “شخص له عليهم سيطرة”، هذا الشرط كان ولا زال وسيبقى سبب خراب الحكم النيابي في العراق، فالإسلاميين خلقوا لهم كاريزمات دينية، هذه “الشخصيات الكاريزمية” هي من تحكمت بالمشهد السياسي بالكامل، فرجل الدين الى اليوم هو من يوجه الجموع الى الانتخابات او الى المقاطعة، وقد رأينا الفتاوى الدينية بأولى الانتخابات 2005 وما تلاها، وهؤلاء الى اليوم يتحكمون بالمجاميع الناخبة، يوجهونهم حيث شاءوا، او حيث تكمن مصالحهم.

جون ستيوارت ميل هو أحد أبرز فلاسفة الليبرالية ومنظريها؛ أي أنه ليس ماركسيا او شيوعيا او اشتراكيا، لكنه كان صادقا بتشخيصه العلل التي تصيب شكل الحكم النيابي، ورغم هذا التشخيص الحقيقي جدا، ورغم هذه الصورة من الحكم النيابي الموجودة في العراق، مع كل هذا وهناك الى الآن من يمني النفس بالتغيير عبر الانتخابات، ويحاول ان يقنع “جمهوره” بتلك الحماقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *