مقدمة
تواجه الحكومة العراقية وعلى رأسها حكومة السيد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني المحترم تحديات مركبة ومتداخلة تتراوح بين التهديدات الأمنية والأزمات الاقتصادية والتجاذبات السياسية ما يضع العملية الديمقراطية أمام اختبار حقيقي. هذا التوتر يتفاقم مع شعور بعض القوى المتنفذة التي اعتادت التأثير في نتائج الانتخابات عبر المال أو النفوذ بتراجع قدرتها على الاستمرار ضمن قواعد التنافس الديمقراطي . فعلى الصعيد الداخلي تعاني الحكومة من محاولات مستمرة لإضعاف سلطتها من قبل بعض الجماعات المسلحة والفصائل المنفلتة والتي تمتلك امتدادات خارجية بينما تشهد المنطقة حالة من التمزق الأمني بدأت مع انهيار النظام السوري مرورًا بالتدمير الواسع في غزة والحرب الإسرائيلية الإيرانية وتراجع النفوذ والقوة الإيرانية في لبنان واليمن. في خضم هذا السياق تسعى القوى الإقليمية إلى توظيف حلفائها في العراق للحفاظ على مصالحها وهو ما يشكّل تهديدًا مباشرًا لمستقبل الدولة العراقية.
أولًا: عسكرة المجتمع العراقي… جذور تاريخية وأثر متراكم
عمل النظام العراقي السابق على عسكرة المجتمع بشكل شامل معتمدًا نهج السيطرة المطلقة عبر تشكيل قوى موازية للمؤسسة العسكرية التقليدية مثل: الجيش الشعبي وجيش النخوة وجيش القدس وفدائيي صدام والحرس الجمهوري والأمن الخاص والحرس الخاص إضافة إلى أجهزة أمنية متعددة مثل المخابرات والأمن العام والشرطة والمكافحة… إلخ.
هذا التداخل أدى إلى فوضى مؤسسية جعلت المنظومة الأمنية تبدو كبيرة وقوية من الخارج لكنها كانت هشة في بنيتها الداخلية وهو ما ظهر جليًا في عام 2003 عندما انهار النظام خلال أيام قليلة، وتحوّلت الأجهزة الأمنية إلى كيانات متفرقة بلا قيادة أو هدف تتنازع بين شعارات المقاومة والمعارضة وحقيقة الفراغ الأمني والسياسي.
ثانيًا: الشباب بين الخيارات المحدودة وتحدي التنمية
بعد عام 2003 ونتيجة لغياب التنمية الاقتصادية وغياب المشاريع المدنية والاستثمارات الخارجية وجد الشباب العراقي نفسه بين خيارين قسريين: أما الانخراط في القوات الأمنية ( شرطة او جيش ) أو الالتحاق بالفصائل والمليشيات المسلحة. لقد أصبحت العسكرة واقعًا يوميًا وتحول السلاح إلى أداة للبقاء الاجتماعي وللمنافع الشخصية لا للدفاع عن الوطن. هذه الظاهرة تهدد التماسك الاجتماعي وتغذي مناخات العنف والانقسام ما يفرض على الدولة ضرورة إعادة تأطير العلاقة بين الشباب والمجتمع ضمن أطر تنموية سلمية ومستدامة.
ثالثًا: المؤشرات الإقليمية لعاصفة التغيير
تشير التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة إلى احتمالية نشوء موجة تغيير قد تمتد تأثيراتها إلى العراق في أي لحظة. فـسقوط نظام الأسد وتراجع الأذرع المسلحة في كل من لبنان واليمن إلى جانب تفاقم التوترات في غزة واحتمالات تهجير سكانها إضافة إلى الضربة الإسرائيلية إلى إيران والحروب الدائرة في السودان وليبيا والصراع الروسي–الأوكراني كلها مؤشرات على انكماش ملحوظ في نفوذ بعض القوى الإقليمية وتراجع أدواتها التقليدية في التأثير.
وفي ظل هذا الواقع يصبح العراق ساحة مرشحة لتأثرات مباشرة أو غير مباشرة من خلال اشتباكات داخلية قد تُغذّى بصراعات إقليمية ومحركات محلية. ومن بين المؤشرات المثيرة للقلق في هذا السياق:
- استهداف البنى الدفاعية مثل الرادارات في منطقة التاجي.
- استهداف حقول النفط باستخدام الطائرات المسيرة.
- اندلاع صدامات بين القوات الأمنية وبعض الفصائل المسلحة داخل العاصمة بغداد.
- تصاعد وتيرة الحرائق واستهداف منشآت استثمارية.
- استمرار التوترات والتظاهرات الشعبية في المحافظات الجنوبية بسبب سوء الخدمات و الانتشار الغير مسبوق للفصائل المسلحة .
- مقاطعة السيد مقتدى الصدر للعملية الانتخابية والسياسية الجارية.
- استياء المرجعية الدينية من تفشي ظاهرة السلاح المنفلت ومن الفساد في بعض المؤسسات الحساسة.
- التدخلات الخارجية غير المباشرة لا سيما عبر تمويل وتسليح بعض الفصائل المنفلتة لأهداف ترتبط بمصالح اقتصادية خاصة في قطاعي الطاقة والنفط.
- تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في المحافظات الجنوبية ما يجعلها بيئة مهيأة لحالات من الغضب الشعبي.
- تنامي نفوذ بعض الجهات الاقتصادية المرتبطة بالسلاح وتأثيرها في المواقع الإدارية.
- تصاعد ظاهرة السلاح غير المرخص وهيمنته على الحياة العامة بما ينذر باحتمالات تدهور أمني واسع النطاق.
رابعًا: حصر السلاح بيد الدولة… ضرورة استراتيجية
تُعد السيطرة على السلاح أحد المفاتيح الجوهرية في مسار إعادة بناء الدولة وترسيخ سيادتها. إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم من خلال الخطابات السياسية فقط بل يتطلب تنفيذ خطة وطنية شاملة تتضمن ما يلي:
- تشريع قانون حازم يمنع حيازة السلاح خارج إطار الدولة لأي جهة كانت.
- تفعيل قانون الأحزاب السياسية بما يضمن الفصل بين العمل السياسي والنشاط المسلح.
- حل الفصائل المسلحة وتفكيك شبكاتها التنظيمية والمالية والإعلامية.
- وضع برامج متخصصة لإعادة التأهيل النفسي والمهني لأفراد تلك الجماعات بعيدًا عن البيئة العسكرية.
- توفير فرص عمل مدنية لهؤلاء ضمن مشاريع إنتاجية وخدمية تسهم في تحقيق الاستقرار النفسي والمجتمعي.
- بناء بيئة دعم نفسي واجتماعي تعزز اندماجهم الإيجابي في المجتمع المدني.
خامسًا: المؤسستان العسكرية والشرطية… ضمانة السيادة والاستقرار
يُعد الجيش والشرطة الركيزتين الأساسيتين لضمان الاستقرار الداخلي. لذا، فإن تحصين هاتين المؤسستين من التسييس والمحاصصة، وتطوير آليات الانتقاء والتدريب والتطوع وفق معايير مهنية، يُعد شرطًا لازمًا لبناء منظومة أمنية رصينة مستقلة بولائها للدولة فقط.
الاستنتاجات
- إن ظاهرة السلاح المنفلت تمثل تهديدًا وجوديًا للسيادة الوطنية قد تجر البلد الى حرب داخلية تهدد أمن و وحدة العراق.
- تفكك دور الدولة المركزية سببه تعدد مراكز القوة خارج الإطار المؤسسي.
- هناك دعم خارجي من قبل ( اللوبي الصيني و دول الجوار ) يهدف إلى تقويض قدرة الدولة على السيطرة على الثروات النفطية ومصادر الطاقة الاخرى.
- استمرار هيمنة أمراء المال والسلاح يفاقم أزمات الفقر والبطالة.
- خطر التصعيد المسلح مرجح خاصة انطلاقًا من بغداد نحو الجنوب .
- تدخلات إقليمية مؤثرة (مثل الدور الكويتي في ملف ترسيم الحدود) قد تؤجج النزاع الداخلي.
- بناء دولة مستقرة يبدأ من جيش وشرطة مهنيين ومحايدين.
- عسكرة المجتمع خلقت بيئة أمنية مشوهة تحتاج إلى التفكيك و الإصلاح.
- إدماج المقاتلين غير النظاميين في الحياة المدنية ضرورة استراتيجية لبدء مرحلة جديدة.
- لا إصلاح أمني دون قرار وطني يتجاوز الولاءات الحزبية والطائفية.
- الالتزام بتوجيهات المرجعية الدينية وفي مقدمتها سماحة السيد علي السيستاني يُعدّ خطوة أساسية ومقدسة في طريق بناء عراق ديمقراطي وآمن.
الخاتمة
إن بناء دولة مستقرة وقوية في العراق يتطلب تحصين القرار الأمني الوطني من التدخلات الخارجية ووضع حدّ للسلاح المنفلت والفصائل الغير رسمية. إن أمن العراق لا يمكن أن يبقى رهن صراعات المحاور أو المصالح الاقتصادية الأجنبية. فخور عبد الله ليس مجرد قضية حدودية بل تجسيد لحالة غياب الردع السيادي. والسلاح المنفلت في بغداد ليس حادثًا عابرًا بل علامة على انهيار منظومة الضبط لدى الفصائل المسلحة وشرارة قد تجر العراق الى حرب داخلية تهدد أمنه واستقراره ونظامه الديمقراطي.
أن بناء جيش وطني محترف وتحقيق أمن داخلي عبر مؤسسات رسمية مستقلة هو الشرط الأساسي لمواجهة التحديات المستقبلية وضمان وحدة العراق وسلامته والحفاظ على سيادته . والأمر يبدأ بقرار وطني شجاع يعيد الاعتبار لهيبة الدولة ويعيد للمواطن ثقته بمؤسساتها الوطنية.


