تمهيد:
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في العراق، تحتدم النقاشات بين من يرى في صناديق الاقتراع بصيص أمل للتغيير، ومن يعتبرها وسيلة لإدامة نظام سياسي مأزوم. وفي ظل فقدان الثقة الشعبية بالطبقة السياسية، يبقى السؤال قائمًا: هل المشاركة تصنع الفارق، أم أن المقاطعة تمثل موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا؟
اولا: لماذا يختار البعض المقاطعة؟
يرى كثيرون أن المقاطعة هي الرد الطبيعي على نظام سياسي لم يقدم إلا الوعود الزائفة والفساد. ومن أبرز دوافعهم:
- 1. غياب الثقة في النظام السياسي: المحاصصة والفساد بات سمة عامة، ما يجعل المواطن عاجزًا عن تصديق نوايا الإصلاح.
- 2. التكرار المُمل للوجوه السياسية: معظم المرشحين هم من ذات الأحزاب التي حكمت البلاد لسنوات دون تحسن ملموس.
- 3. شكوك التزوير وعدم الشفافية: سجلت شكاوى من البعض في الانتخابات السابقة ان هنالك خروقات قد حصلت، ما يدفع الكثيرين لعدم الوثوق بالعملية برمتها.
- 4. المقاطعة كأداة احتجاج جماعي: الامتناع الواسع عن التصويت قد يُسهم في عدم اعطاء شرعية للنظام الذي سيقوم.
تحديات الانتخابات للتغيير السلمي
في سياق تاريخي، شهدت الانتخابات البرلمانية العراقية في عام 2021 نسبة مشاركة ربلغت نحو 44%، مما أدى إلى تشكيل حكومة جديدة تحت قيادة محمد شياع السوداني، لكن مع استمرار التحديات الاقتصادية والأمنية. ومع اقتراب انتخابات 2025 المقررة في 11 نوفمبر، يتجدد الجدل حول فعالية المقاطعة في إضعاف النظام مقابل المشاركة في تعزيز الإصلاحات، خاصة بعد تعديلات قانون الانتخابات التي سعت إلى تعزيز التمثيل الفردي والشفافية، وفقاً لتقارير منظمات دولية مثل الأمم المتحدة.
ثانيًا: لماذا يصر البعض على المشاركة؟ على الجانب الآخر، يعتبر فريق آخر أن المشاركة، مهما كانت محدودة الجدوى، تظل الخيار الوحيد المتاح للتغيير السلمي:
- 1. التصويت كأداة ضغط سياسي: مقاطعة الانتخابات تتيح للأحزاب المتنفذة الفوز بسهولة عبر قواعدها الثابتة.
- 2. فرص صعود البدائل الوطنية: في الدورات السابقة، نجح بعض المستقلين في الوصول رغم التحديات، وهو ما يدل على وجود مجال للمنافسة.
- 3. تمكين الأصوات الإصلاحية: لا تزال هناك كتل وشخصيات تسعى للإصلاح، وتحتاج إلى دعم شعبي لتتمكن من المواجهة.
- 4. عدم فعالية المقاطعة الفردية: بدون تنظيم شامل ومقاطعة جماعية مؤثرة، فإن المقاطعة الفردية تُضعف جبهة التغيير.
خاتمة: القرار بالمشاركة أو المقاطعة يجب ألا يكون رد فعل عاطفي، بل خيارًا واعيًا يستند إلى تقييم دقيق للواقع. فالمشاركة النزيهة، واختيار الكفاءات المستقلة، قد تفتح باب التغيير من الداخل، بينما تكون المقاطعة المجتمعية الواسعة أداة فعالة إن كانت منظمة ومبنية على رؤية سياسية واضحة.
لكن يبقى الخطر الأكبر في اللامبالاة، والاستسلام للجمود، وترك الساحة بلا موقف. في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ العراق، فإن الصمت لم يعد خيارًا.
فالعراق بحاجة إلى وعي، وموقف، وفعل… لا إلى انسحاب صامت.


