يشكل الإعلام الاقتصادي حجر الزاوية في تسويق قدرات وإمكانات أي بلد، وهو بذلك سلاح ذو حدين، خاصة في الخطاب الاقتصادي المحلي. فإما أن يكون مرآة حقيقية تعكس الواقع والقدرات الفعلية، أو يتحول إلى أداة للفوضى وتشويه الصورة الحقيقية.
خطورة الخطاب الاقتصادي تكمن في انعكاساته على المستوى الخارجي، إذ يسهم بشكل مباشر في تشكيل انطباعات الدول الأخرى عن قوة البلد أو ضعفه. وبما أن العلاقات الدولية تُبنى على حجم وقدرات وإمكانات كل دولة، فإن صورة الاقتصاد الوطني تصبح أساسًا للمصالح المشتركة.
من البديهي القول إن قوة أي بلد تُقاس في جانب كبير منها بصلابة اقتصاده، وهو معيار رئيسي في تحديد طبيعة علاقاته الاقتصادية مع العالم. وفي حالة العراق، ثمة حاجة ماسة إلى توحيد الخطاب الإعلامي الاقتصادي بما يعزز سمعة البلد ويظهره كقوة اقتصادية لا يستهان بها، لما يمتلكه من ثروات وخيرات غير مستغلة، إلى جانب كونه بلدًا نفطيًا بامتياز. الهدف هنا هو جذب الاستثمارات وبناء علاقات اقتصادية متينة وفق هذه الصورة.
لكن، ماذا يحدث إذا نُقلت صورة غير حقيقية عن اقتصاد البلد؟ النتيجة المحتملة هي خلق حالة من اللايقين، خصوصًا عندما تتضارب التصريحات وتختفي لغة التوحيد في الخطاب، فتُستبدل صورة القوة بانطباع عن الضعف.
إحدى أبرز أسباب هذه المشكلة هي ظاهرة اتساع دائرة ما يمكن تسميته بـ “خبراء الصدفة”؛ أشخاص يقدمون أنفسهم أو يُقدَّمون عبر بعض وسائل الإعلام كخبراء اقتصاديين من دون امتلاك المؤهلات الحقيقية. فالخبير الاقتصادي ليس مجرد لقب، بل هو نتيجة مسار طويل يبدأ بالاهتمام بالشأن الاقتصادي، ثم التدرج إلى مرحلة الباحث الاقتصادي، وصولًا إلى مرحلة الخبير التي تُمنح عبر تقييم علمي من جهة مختصة ورصينة، بعد تراكم خبرة وفهم عميق للنظريات والمفاهيم الاقتصادية.
غياب المعايير الدقيقة في منح لقب “خبير” انعكس سلبًا على صورة العراق الخارجية، حيث رسمت تصريحات غير المختصين صورة ضبابية عن الواقع الاقتصادي، وأدت إلى نظرة استخفاف من بعض الدول التي صارت ترى العراق بلدًا غير مؤهل لبناء علاقات اقتصادية قوية.
لذلك، من الضروري إعادة النظر في اختيار الشخصيات التي تتحدث عن الشأن الاقتصادي، بما يضمن نقل صورة واضحة وجاذبة تعكس الإمكانات الحقيقية، فتكون أداة لتعزيز الثقة وجذب التعاون الدولي.
إن ظاهرة “خبراء الصدفة” يمكن القول إنها باتت تضاهي الشائعات المغرضة في حجم تأثيرها السلبي على الرأي العام، بل وربما تجاوزتها في بعض الحالات.


