إصلاحٌ إداري و عبء اقتصادي جديد على بغداد؟
أصدر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 22 تموز -يوليو 2025، قراره 569 لسنة 2025، الذي يفرض على التجار ربط أي تحويل خارجي للاستيراد مع البيان الكمركي المسبق عبر نظام ASYCUDA، ابتداءً من كانون الأول المقبل. اي بربط جميع التحويلات الخارجية الخاصة بالاستيراد بالبيان الكمركي المسبق.
القرار يلزم التاجر بتقديم كل التفاصيل الدقيقة: فاتورة، بلد منشأ، منفذ حدودي، وحتى رقم شاصي السيارات، مع رمز QR يمنع أي تعديل بعد التحويل البنكي. القرار يلزم المستوردين بتقديم بيان كمركي مسبق يتضمن تفاصيل دقيقة.
الفاتورة النهائية أو العقد التجاري، رمز النظام المنسق (HS Code)، بلد المنشأ، اسم المصدّر والمستورد، المنفذ الحدودي، المصرف المحوَّل عبره، وحتى رقم شاصي السيارات، مع توليد رمز QR للتحقق.
كما يُمنع تعديل البيانات أو المصرف بعد إجراء التحويل البنكي، ويُلزم إدراج رقم البيان في رسالة SWIFT. كذلك، تُخطر هيئة الكمارك بالحوالات التي تجاوزت ستة أشهر من دون وصول البضاعة، لتتخذ الإجراءات التدقيقية.
بين أهداف الحكومة وواقع السوق
الغاية المُعلَنة للقرار هي تبسيط الإجراءات، ضبط الإيرادات غير النفطية، ومنع التلاعب في التحويلات. وهي أهداف مشروعة تواكب التوجه الحكومي لأتمتة الكمارك والاعتماد على الدفع الإلكتروني كما حصل مع إطلاق نظام ASYCUDAWorld في المراكز الكمركية. لكن، عند التطبيق العملي، وخاصة في سوق بغداد، تتكشف جوانب سلبية:
- ضغط السيولة على التجار: رأس المال سيتجمّد بين المصرف والكمارك بانتظار اكتمال التطابق الكامل، مما يربك حركة الاستيراد.
- تعقيد الدورة التجارية: أي اختلاف بسيط في الشحن أو الأسعار أو المنفذ قد يجمّد التحويل ويؤخر التخليص.
- إقصاء صغار التجار: الكلفة الإضافية للامتثال (محاسبين، مخلّصين، أنظمة إلكترونية) ستثقل كاهل تجار الشورجة والكرادة، في حين تتمكن الشركات الكبرى من استيعابها بسهولة، ما يعزز الاحتكار.
مخاطر ارتفاع الأسعار: كل تأخير أو غرامة تخزين ستنعكس على أسعار السلع في بغداد، من المواد الغذائية إلى الأدوات الكهربائية.
- منافذ رمادية جديدة: تشدد الإجراءات قد يدفع البعض إلى طرق غير رسمية للتحايل، وهو ما يناقض الهدف الأساسي للقرار.
تأثيرات خاصة على بغداد
في بغداد، حيث السوق الأكبر والأكثر ديناميكية، ستكون التداعيات أشد:
- تذبذب الإمدادات في أسواق الجملة مثل الشورجة، ما يخلق موجات نقص ثم وفرة تؤدي إلى تقلب الأسعار.
- تكدس المخازن بسبب تأخر التخليص، مع ارتفاع كلف النقل والتخزين.
- ضغط على المشاريع الاستثمارية في العاصمة التي تعتمد تجهيزات مستوردة، بسبب طول دورة الموافقات.
قرار كهذا يحتاج إلى مرونة أكبر. منع تعديل البيان بعد التحويل يُعد قيداً غير واقعي على سوق متغير، وكان يمكن استبداله بنظام تعديلات مضبوطة مع سجل تدقيق. كذلك، كان من الأفضل اختبار القرار تدريجياً (Sandbox) على شريحة محدودة قبل فرضه على جميع المستوردين.
ما الذي ينتظره الرأي العام؟
المواطن البغدادي يسأل اليوم:
هل الإصلاح يعني تسهيل التجارة أم إثقالها بالروتين الرقمي؟
هل الهدف تنظيم الإيرادات غير النفطية، أم تحميل المستهلك كلفة جديدة ستظهر في السوق بعد كانون الأول؟
التوصيات للرأي العام وصنّاع القرار
- إطلاق فترة انتقالية تسمح بالتعديل الجزئي للبيانات.
- تصنيف زمني حسب نوع البضاعة لتفادي ظلم التجهيزات الرأسمالية.
- إعفاءات مرحلية لصغار التجار لتقليل الكلفة عليهم.
- مركز مساعدة فني في بغداد لتسريع معالجة الأخطاء.
قرار 569/2025 يحمل نوايا إصلاحية في ضبط التجارة والإيرادات، لكنه بصيغته الحالية قد يتحول إلى عبء على السوق البغدادية، حيث ترتفع الأسعار وتتضرر شريحة التجار الصغار. الإصلاح الحقيقي لا يكون بالتعقيد، بل بـالمرونة، التدرّج، ودعم الصغار، كي تتحقق الشفافية بلا خنق للتجارة
الحكومة تقول إن الهدف هو ضبط الإيرادات وتنظيم التجارة. لكن في السوق البغدادية، يبدو المشهد مختلفاً:
التاجر الصغير في الشورجة أو الكرادة سيحتاج لمحاسب ومخلّص، أي كلفة إضافية لا يقدر عليها. وان أي خطأ بسيط أو تغيير بالأسعار أو الميناء يعني تجميد التحويل وتأخير البضاعة. والشركات الكبيرة فقط تستطيع التكيّف، بينما الصغار يُقصَون تدريجياً، ما يفتح الباب للاحتكار. ومع كل تأخير وغرامة تخزين، ترتفع الأسعار على المواطن مباشرة.
القرار الذي أُعلن تحت شعار تبسيط الإجراءات قد يتحول عملياً إلى تعقيد إضافي، بل وربما يخلق منافذ رمادية جديدة للهروب من الروتين.
اليوم يسأل البغداديون:
هل الإصلاح يعني تسهيل التجارة أم خنقها بالقوانين؟
هل الغاية زيادة الإيرادات غير النفطية أم تحميل المواطن كلفة جديدة في كل سلعة يشتريها؟
الإصلاح الحقيقي لا يكون بقرارات صادمة، بل بخطوات مرنة ومتدرجة، تدعم صغار التجار وتمنع الاحتكار. وإلا فإن 569/2025 سيُذكر كقرار أثقل السوق ولم ينظمها.


