قراءة في رواية “غيبة مي ” لنجوى بركات اشتباك المصير الأنثوي مع انهيارات العصر

قراءة في رواية "غيبة مي " لنجوى بركات اشتباك المصير الأنثوي مع انهيارات العصر
من بين أفضل الروايات التي قرأتها هذا العام روايةُ ( غَيْبَةُ ميّ ) للروائية اللبنانية البارعة نجوى بركات ، رواية تتحرى أوضاع النساء المسنّات وتسعى لإستكشاف عقل أنثوي مستوحد تمزقُهُ صراعاتٌ حقيقيةٌ وتوهّمات وأخيلةٌ، وتتوزّعه حالاتٌ من الخمود واليقظة والنسيان والتوجّس والهلوسات وانعدام اليقين...

من بين أفضل الروايات التي قرأتها هذا العام روايةُ ( غَيْبَةُ ميّ )  للروائية  اللبنانية البارعة نجوى بركات ، رواية تتحرى أوضاع النساء المسنّات وتسعى لإستكشاف عقل أنثوي مستوحد  تمزقُهُ صراعاتٌ حقيقيةٌ وتوهّمات وأخيلةٌ، وتتوزّعه حالاتٌ من الخمود واليقظة والنسيان والتوجّس والهلوسات وانعدام اليقين .

تؤكد رواية (غيبة مي) براعة نجوى بركات السردية التي ابتكرت لها أسلوباً سردياً مميزاً طبع أعمالها وترسخ على نحو بارز في رواية غيبة مي وأبرز  قدراتها على المزاوجة بين الشكل الفني مابعد الحداثي  ورصانة  لغة السرد وتخصيبها الممتع بمفردات مغرقة في عاميتها وطرافتها أحياناً.

اقتحمت نجوى بركات ببصيرتها الروائية عالم السيدة المسنّة ( مي نجار) وقدّمته بسردها الممتع : عالماً ممزقاً متشظياً وغارقاً في الألم والغياب الذهني، تعاني صاحبته  حالة عدم التثبت من أي شيء  وأي حدث آنيّ  أو موغل في القدم. تأخذنا  هذه الرواية في طرقات وبرهات تكتنفها إلتواءات ومنعرجات زمانية تنسج حبكة حياة المرأة السرية وأهواءها المكبوحة تارة وانكساراتها المريعة في علاقة الحب الإستحواذي الذي دمّر مستقبلها الفني وألقى بظلاله السود  على ماتبقّى من حياتها، وطبع سنواتها بتلك الصدمات الروحية التي أودت بعقلها صوب الدمار المحتوم.

من الصفحات الأولى  للرواية وجدتني في حالة تماهٍ غريب مع  وحشة ووحدة بطلتها مي نجار، ليس في غيابها وهلوساتها بل في تشظي عالمها وتبدّد عائلتها بين القارات وانعدام اليقين لديها وهي تعيش هاجس النهايات القصوى ومآلات الحروب. ثمّة وشائج خفية بيني وبينها وبيني وبين نجوى الكاتبة ذاتها وربما بين نساء كثيرات. تتمثل تلك الوشائج في انهيارات بيروت وبغداد وتزامنها مع فوضى الغزو والحروب الأهلية وتشظّي المجتمع في الإنتماءات الطائفية والهجرة الإضطرارية  وضياع القصد.

انتابني  أسى غير مسبوق وأنا في الثلث الأوّل من الرواية فأغلقت الكتاب لأعود إليه بعد حين فتنتابُني موجةُ الأسى التي استدعاها سؤال الوضع البشري عندنا واستغوار الأعماق النفسية لإمرأة تقف عند الحافة الأبعد للحياة .

حمدتُ  للروائية البارعة نجوى بركات دقتها وصبرها في تجميع شظايا حياة مهدورة لإمرأة غاب عقلها في ضباب هربها من الواقع؛ إذ أبرزت عبر إعادة تشكيل تلك الشظايا صورة مروعة  لشيخوخة المرأة في عزلتها واضطراب ذاكرتها وذاتها الجريحة التي فقدت السبيل إلى كرامتها الشخصية.

تطلُّ السيدة  ميْ من شقتها  في الطابق التاسع على اضطراب المدينة وتحولاتها بعد انفجار مرفأ بيروت ليتكثف شعورها بانعدام الأمان مع كل تماس مع  المدينة  التي  تعرضت لكوارث متلاحقة . وكلما اكتشفت المرأة مايؤكد رعبها نراها تنأى بالنفس عن الآخرين الذين يشكلون عناصر الإنهيارات ونسيج اختلال الحاضر في مجتمعها المتهاوي.

اختارت مي نجار الإنغماس في غيبوبة الوعي ملاذاً  من انكسار الذات المهشمة وضياع بوصلتها بعد أن هجرت عملها المسرحي. تهاوت أحلامها حين أخفقت في تشكيل صورتها المشتهاة، وتحطّمت صورة النجمة التي سطعت برهة على المسرح،وهي في أوج شهرتها،  اختطفتها علاقة حب جائحة ومُمْرضة إستسلمت لها كالمسحورة المغيبة وتنازلت عما هو عقلاني ومنصف في حياتها لتبلغ قاع  الجحيم. صعقت الممثلة النجمة لحظة أفاقت على انهيارها الشخصي وهو يتزامن مع الإنهيار المجتمعي العام بحبكة سردية ملهمة. تحطمت ركائز مستقبلها المسرحي عندما اكتشفت هشاشة الرجل ونقضه لمجمل القيم التي لطالما ادّعاها قبل أن يتساكنا وتنكشف حيونته إزاءها وابتزازه لها.

 بين الوجود  المهزوم  والذات المغيبة

تستحضر مي ( ذاتها المغيّبة ) و تجالسها في صالون شقتها وتسائلها وتستجوبها؛ غير أنّ تلك الذات المستجلبة من الأمس الغابر  ضاعفت رعبها وتشوشها. تهملها مي برهة في محاولة انكارها ولكنها تعود وتسمع وقع خطى وأصداء كلمات وتتساءل عمّن يكون هذا الذي إقتحم ملاذها  وزلزل أمنها الموهوم. تتصل بحارس المبنى يوسف – الشاهد على انهياراتها والأمين على حمايتها بطلب من ولديها التوأم  المتغربين في أميركا- وتخبره أنها تشك بوجود شخص ما إقتحم الشقة بنيّة ايذائها. يحاول يوسف مجاراتها في تخيلاتها؛ فيبحث معها في زوايا البيت وغرفه  عن المقتحم المتخيل، ثم يؤكد لها خلو البيت من أيّ  غريب.

تلاحق الرواية حركة مي نجار القلقة بين صالونها وشرفتها وعلاقتها المتوترة بالقطة التائهة التي اقتحمت عزلتها، شبيهتها أو قرينتها في التيه، القرين الحيواني الذي يستدعي الذات البدئية المهملة لكل منا. ترفض مي نجار الإعتراف بالقرين الحيواني الذي اقتحم وجودها المترنح الخرب، تطرد القطة مراراً؛ لكن اصرار القطة يهزم تدابيرها فتستسلم للقرين.

ضاعف ظهور القطة أعباءها النفسية وأكدّ عجز غريزتها الأمومية وافتقادها للتعاطف الانساني والرحمة، هي التي إنفصلت عاطفياً عن ولديها التوأم  أثناء سنوات رقادها في مستشفى الأمراض النفسية فتولى زوجها رعاية طفليهما التوأم بعد أن أخفقت في أن تكون أماً مانحة للحب وساندة للنمو النفسي للولدين.

ماحصل معي لدى قراءتي  الأولى  لرواية (غيبة مي ) حصل في القراءة الثانية، نجحت نجوى بركات في إحداث الصدمة وإرعاب قارئاتها الكبيرات من مصير  مي نجار؛ فكنت أكتشف عالم مي نجار على نحو متقطع  مثلما يحدث معنا غالباً حال انقطاع الكهرباء وانطفاء النور و التلفاز سواء في بيروت أو بغداد.

لبثَتْ مي وهي سجينة أوهامها تدور في دوامة زمنية مشتبكة تعرف  بما يسمى  (اضطراب الكينونة) حين تتداخل مستويات الزمن  في وعي أحدنا فلا يعود يميز بين ماض وحاضر ومستقبل، يعيش على هامش الوجود غارقاً في إضطرابه، تبتلعه دوامة الأزمنة الملتفّة دفعة واحدة ، ينسى ويتذكر ويقاوم ويتوجع ويتكئ على هواجس وتخيلات ليقنع  الذات المهزومة المرهقة بأنه موجود وحاضر في نسيج الزمن ومتشبث بالمكان إلى حين إفاقته من لحظة  ( اضطراب الكينونة ).

لغة نجوى بركات نابضة ومقتصدة وعذبة وجارحة عندما تختار مفرداتها بدقة وتفكّر فلا افراط في الوصف ولا وفرة في استخدام المرادفات الموحية ،  بخاصة عندما تستبطن  تورّط الهوية الأنثوية بمصاعب الشيخوخة ومآلات الجسد الشائخ الذي تحول إلى ماكنة يتفاقم عجزها يوماً بعد يوم.

تعيش المرأة المسنة مواجهة شرسة وأليمة مع ذبول الجسد وتفاقم عجز أعضائه وفقدان انضباطه، ولا تجد مفراً من الإستسلام إلى مشاعر الإشفاق المهينة على نفسها وهي تتأمل أعضاءها المترهلة وجسدها الخرب، وفي محاولة إنكار ماآلت اليه أنوثتها تستدعي سنوات صباها وروعة تكوينها الجسدي  الذي  كان مثار زهوها ومحط رغبة الرجال وحسد عماتها العوانس؛  لكنها لاتلبث أن تغصّ بمرارة الإشفاق على الذات المهدمة التي هزمتها سطوة الزمن. تتأسّى على نهديها الذاويين وجسدها المنهك، تدور في رأسها تساؤلاتٌ بما معناه :

لماذا لا نموت  ونحن نتمتع ببهاء جمالنا وشباب أجسادنا الغضة حين يتقدم بنا العمر؟

لماذا ندفع ثمن التقدم بالعمر ذبولاً  وقبحاً وأعضاء متهدلة وتجاعيد منفّرة؟ ألا يمكن أن نموت من غير  هذا التردي المحتوم؟

تساؤلات وجودية كبرى تطرحها رواية (غيبة ميْ) بخاصة في القسم الثاني المعنون ( هي ) حيث تستدعي ميْ ذاكرة شبابها  وعنفوتان انتمائها  للمسرح  يوم كتبت مسرحية طليعية غير مألوفة ليكتمل وجودها على خشبة المسرح – الحياة.  أصبحت ميْ ممثلة بارعة فشرعت تعشق الشخصيات الدرامية وتحياها وتمجدها؛ فهي شخصيات تراها  قابلة للخلود ومتحققة في بعدين زمنيين مثل كائنات ورقية، مخلوقات عابرة بلا مستقبل ولاثقل مادي، كائنات حرة او منبوذة أو معشوقة  تماثل شخصية المرأة المهجورة  المنتحرة ( ادت ميْ –  دورها في آخر ظهور لها على المسرح – مسرحية الصوت البشري  لجان كوكتو )،  حين تخاطب المرأة العاشقة المنسية الرجل الذي هجرها وتهدده بالإنتحار وهي تلفُّ سلك الهاتف الأرضي حول عنقها أثناء المكالمة، وعندما تتأكد من عزمه على هجرانها ، تنفّذُ وَعيدها فتتدلى سماعة الهاتف من يدها المرتخية في سلام النهاية. مثلما استسلمت ميْ لفقدان وعيها  بذاتها وهي تحتضن بعاطفة مفاجئة جثة القطة الميتة – قرينها الحيواني

الفاني المرادف لنهايتها الوشيكة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *