بين التلاعب بالذاكرة الجماعية وتشويش الخطاب العام: قراءة نفسية وقانونية واجتماعية في مواجهة الفوضى الإعلامية

بين التلاعب بالذاكرة الجماعية وتشويش الخطاب العام: قراءة نفسية وقانونية واجتماعية في مواجهة الفوضى الإعلامية
النص يؤكد حاجة العراق إلى خطاب دولة متزن يحفظ حرية التعبير وينظمها، مستنداً إلى نظريات الإدراك الاجتماعي. الفوضى الإعلامية تشوّه الذاكرة الجماعية وتطبع السلوك المنحرف، والحل بإعلام وطني مسؤول يعزز القيم والوعي، ويعيد الثقة بالمجتمع والدولة...

المجتمع العراقي بحاجة الى خطاب دولة ، لا ينحاز لتكميم الأفواه ولا يبرر الفوضى الإعلامية، بل ينتصر لكرامة المجتمع وعقله الجمعي، ويستند إلى نظرية “الإدراك الاجتماعي” (Social Cognition) في علم النفس:

في خضم التحولات السياسية والاجتماعية في العراق، برزت ظاهرة خطيرة تهدد تماسك المجتمع ووعيه، وهي تشويش الخطاب العام والتلاعب بالذاكرة الجماعية عبر قنوات إعلامية فوضوية، تحترف خلط الأوراق، وبث الشك، والاصطفاف المصلحي، حتى أصبحت تسيطر على ما يُفترض أنه “صوت الدولة”. في المقابل، لوحظ هروب كثير من المسؤولين من التصدي لهذه الفوضى، إما خوفًا من الاتهام بتكميم الأفواه ، أو بسبب غياب رؤية قانونية ونفسية متزنة.وربما السبب الاول الخوف هو الاقرب للحقيقة والسبب الثاني هو النتيجة الحاصلة لها .

أولاً: الإطار النفسي – نظرية الإدراك الاجتماعي (Social Cognition Theory)

تقوم هذه النظرية – التي طوّرها {ألبرت باندورا}  على أن الإنسان لا يتعلم فقط من التجربة المباشرة، بل من خلال الملاحظة والتفاعل مع الخطاب المحيط به. هذا يعني أن الأفراد عندما يتعرضون باستمرار إلى إعلام مشوش، ومصطلحات سوقية، وتزييف للوقائع، فإنهم يبنون قناعاتهم وسلوكياتهم بناءً على هذا التشويش الممنهج.

وما يحصل في العراق هو أن القنوات المسيطرة على الفضاء الإعلامي سواء في السوشل ميديا او غيرها  تقدم نماذج سلوكية منحرفة – شخصيات تصرخ، تشتم، تكذب، أو تسخر – ثم يُكافأ هؤلاء بالشهرة والتأثير، فيتعلّم الجمهور أن “الفوضى تنتصر”، و”الصوت العالي أقوى من الحجة”.

ثانيًا: الأثر النفسي – تدهور القناعات وتآكل الثقة :

تكرار الرسائل المشوشة يؤدي إلى:

  • تغيير الذاكرة الجماعية: تُمحى الأحداث الحقيقية ويُعاد سردها بطريقة تخدم مصالح معينة.
  • تشكيك المجتمع في ثوابته: يفقد الفرد الثقة بالدولة، بالمجتمع، وحتى بنفسه.
  • قبول الألفاظ السوقية: كأنها جزء من “حرية التعبير”، بينما هي في الواقع تطبيع للسلوك المنحرف.نعم تطبيع للسلوك المنحرك وهذا هو جوهر النظرية النفسية .

ثالثاً: الهروب الرسمي – غياب المواجهة القانونية:

بدل أن تقوم الجهات المختصة المعنية بحماية المجتمع وهي عديدة  بمواجهة هذا الانحراف عبر ضوابط مهنية وقانونية واضحة، نراها تلوذ بالصمت، أو تبرر موقفها بـ”عدم الرغبة في تكميم الأفواه”. وهذا تقاعس يُفسر ضمن علم النفس السياسي على أنه تعزيز سلبي للفوضى. نعم تعزيز سلبي للفوضى .

رابعاً: الإطار القانوني – حرية التعبير ليست فوضى:

الدستور العراقي يضمن حرية التعبير، لكنه أيضًا يمنع التجاوز على الآداب العامة والتحريض على الكراهية والطائفية.

المادة (38) من الدستور تُلزم الدولة بتنظيم حرية الإعلام بما يحفظ النظام العام والآداب العامة.

القانون لا يمنع الحديث، لكنه يمنع السبّ، والشتم والصراخ ،  والقذف، والكذب المتعمد ، والطائفية ، والفعل الفاضح المخل بالحياء ،  وهذا لا يُعد تكميمًا للأفواه بل هو تنظيمٌ للخطاب.

خامساً: البعد الاجتماعي – الدفاع عن تقاليد المجتمع :

المجتمع العراقي لديه إرث من الاحترام، والكرامة، واللغة النظيفة.

ما يحصل اليوم هو انزلاق لغوي وسلوكي خطير قد يُسهم في تشويه صورة الأسرة، المدرسة، وحتى الدين.

وعندما تسود الألفاظ السوقية على الشاشات، فإن الأطفال واليافعين يتشربون هذه اللغة بوصفها طبيعية، وتُصبح الأحاديث بين الناس أكثر عنفًا، وأقل احترامًا. وهو ما حذر منه علماء النفس الاجتماعي مثل {ليون فستنغر}  في نظرية “التنافر المعرفي” حين يضطر الإنسان لقبول ما يرفضه في داخله بسبب كثرة تكراره في بيئته ، وهنا مكمن الخطورة .

سادساً: نحو حل متزن – إعلام منضبط بلا تكميم :

  • لا لتكميم الأفواه، نعم لتنظيم الخطاب.
  • لا لتجريم المعارضة، نعم لمحاسبة التحريض والكذب والخيانة والتآمر على المجتمع
  • لا للتهرب الرسمي، نعم لتحمل المسؤولية القانونية والمهنية.
  • لا لتغول القنوات الفوضوية، نعم لإعلام وطني يراعي وعي الشعب وكرامته.

ما نحتاجه اليوم في العراق ليس قمعًا للإعلام، ولا غضًّا للطرف عن فوضاه، بل موازنة نفسية وقانونية واجتماعية تُعيد ضبط الإيقاع الجماهيري، وتحفظ الذاكرة من التشويه، وتحمي القيم من الانحدار .

نعم فقد كتبنا في رسالتنا العليا في علم النفس/  العمليات النفسية عن القيم وعن المضامين القيمية لخطب ورسائل وحكم الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة تحليلاً لمحتواه ضمن {نظرية وتصنيف وايت} للقيم ووجدنا في هذا السفر الخالد اكثر من سبعين  ضعفاً لقيم وايت التي يبلغ مجموعها خمسون قيمة موزعة بين الاهداف والمعايير  وهذه كلها مصادر ومشارب ومنابع  للمجتمع فأين نحن منها !!!

إن حفظ تقاليد المجتمع واحترام الخطاب العام ، هو انتصار للحرية، لا خصمٌ لها.

هو وعي لا وصاية، وتنظيم لا قمع. وهو الخط الفاصل بين إعلام يبني وطنًا، وآخر يهدم ما تبقى من وعيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *