وقفة لفهم أبعاد هذا المشروع اقتصادياً
عاد الحديث مجدداً داخل العراق عن إعادة إحياء انبوب النفط الرابط بين العراق وبانياس، بعد إبداء الحكومة السورية رغبتها في التعاون مع العراق في هذا الصدد!
ومثل أي ملف آخر، فقد واجه هذا المشروع داخل الوسط العراقي آراء رافضة وأخرى مؤيدة في حالة معبرة عن حالة الانقسام المستمرة في تقييم كل ماهو جديد على الساحة العراقية!
ولو وضعنا كل ذلك جانباً وبحثنا في اقتصاد النفط العراقي، نجد أن العراق يعاني من مشكلتين جوهريتين، الأولى غياب التنوع في منافذ التصدير النفطي والاعتماد على منفذ واحد عبر الخليج وبنسبة ٩٥٪، والثانية، في تركيز مبيعات النفط العراقي لآسيا بنسبة ٨٠٪ وضعف تنوع الأسواق ومحدودية التصدير لأوروبا وأمريكا، لأسباب أهمها ارتفاع كلفة النقل وضعف التنافسية، وهذا ما يجعل العراق يحتاج للبحث دائماً عن حلول لتلك المسائل وتحسين أمن الطاقة الإقتصادي لديه، ومنها عبر حلول أنابيب النفط!
وقد يقول قائل ان تجارب العراق السابقة مع انابيب النفط لم تكن موفقة حيث آلت في النهاية الى تفكيكها او مصادرتها او وقف تشغيلها، وهذا كله صحيح ولا غبار عليه، لكن لو بحثنا أكثر سنجد ان هذه المالآت حصلت بالمقام الأول نتيجة أخطاء عراقية لم تأخذ في الحسبان مصالح البلد في استمرار عمل أنابيبه!
ومن تلك الأخطاء حالات الحروب التي أدت لإنشاء أنابيب ومن ثم مصادرتها نتيجة مقررات دولية او خلافات سياسية، وكذلك عدم انجاز عقود متكاملة تضمن حق وسيادة العراق في تدفقات نفطه عبر أنابيب أخرى بغض النظر عن طبيعة العلاقة السياسية مع دول المرور!
وقد يقول آخر، ان دول الخليج كالكويت وقطر ليس لديها أنابيب لتصدير طاقتها فلماذا يبحث العراق عن ذلك؟! وهذا يحتاج لوقفة، حيث غاب عن أصحاب هذا الرأي أن تلك الدول لديها تنوع في المصادر المالية ولا تعتمد فقط على الطاقة لتوليد العوائد، فلديها صناديقها السيادية ولديها مشاريعها العالمية التي تدر عليها دخلاً كبيراً يغطي حاجة سكانها المحدود العدد، ويمكنها الصمود مالياً لأشهر وحتى سنوات ان تم توقف الإمدادات عبر الخليج (مع ذلك قامت السعودية والإمارات بإنشاء انابيب تتجاوز الخليج، ولاتزال قطر والكويت يدرسون خياراتهم في هذا المجال)!
أما العراق، فاعتماده شبه كامل على مبيعات النفط ولا يملك صناديق او استثمارات دوليه يمكن الاعتماد عليها لتغذية المالية العامة الهائلة والتي يحتاجها شعب بتعداد كبير، ولن يستطيع العراق الصمود شهراً واحداً ان حدث تعطل في تصدير النفط عبر الخليج، في غياب منافذ تصديرية أخرى، لذلك تنويع منافذ التصدير للعراق قد تعتبر مسألة مصيرية وبالغة الأهمية!
أنبوب نفط بانياس من الناحية جيواقتصادية
وبالنسبة لأنبوب نفط بانياس، ومن ناحية جيواقتصادية، فهو أفضل الخيارات المحتملة أمام العراق، لما يوفره موقع ميناء بانياس من قرب جغرافي للعراق وإطلاله مباشرة وقريبة على الأسواق الأوروبية والأمريكية، والتي تضمن للعراق تقديم نفطه كنفط تنافسي يمكنه اختراق الكثير من الأسواق وزيادة حصص العراق السوقية وتنويعها وتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية من ذلك!
فأنبوب بانياس يمكن أن يوفر كلفة نقل أرخص مقارنة مع النفط المنقول في مسار بحري طويل عبر قناة السويس، بمقدار ٣-٥ دولار كتوفير للعراق عن كل برميل، إضافة لزمن وصول أسرع لشحنات النفط لأوروبا بين ٣-٥ أيام، مقارنة بـ١٢-١٦ يوم عبر موانئ التحميل في البصرة.
ولكي يضمن العراق إنشاء أنبوب بانياس وتدفق النفط عبره دون تأثيرات سياسية أو أمنية ويحقق المنفعة الاقتصادية المطلوبة، فإن ذلك يتطلب دراسة جدوى شاملة للمشروع.
والحصول على ضمانات دولية أو وساطة من أطراف ثالثة ضامنة لتأمين المشروع عبر تأمين دولي ضد المخاطر السياسية والاقتصادية والأمنية، وإجراء دراسة فنية لمسار آمن مع تصميم محطات الضخ والحماية ضد الأعطال او التخريب.
وترجمة ذلك على شكل بنود تعاقدية واضحة عبر اتفاق حكومي ملزم بين بغداد ودمشق يحدد الملكية والحقوق والرسوم والضمانات وآليات حل النزاعات، تحمي تدفقات النفط وتحدد إجراءات تعويضية عند تضرر مصالح العراق في حال توقف تدفق او تصدير النفط لأسباب خارج سيطرة بغداد!
بهذه الخطوات وغيرها يمكن للعراق تقليل المخاطر وضمان تشغيل الأنبوب بشكل آمن ومستدام، بطريقة وآلية وصيغة تعاقدية تضمن مصالحه في تنويع منافذ التصدير والوصول لأسواق جديدة تحقق أهدافه الاقتصادية والاستراتيجية في مجال الطاقة!


