من الواضح أن العدوان على إيران قد أكسبها أشياء كثيرة جوهرية بقدر ما اخسرها، وفتح عيون القيادة الإيرانية على أمور لم تكن تراها من قبل.
وكما يُقال: “رُبَّ ضارة نافعة”، وأعتقد أن القيادة الثورية في إيران قد أعادت النظر في كافة الاستراتيجيات التي كانت قائمة منذ خمسين عاماً، وهي تدرك اليوم أن بعض تلك الاستراتيجيات كان خاطئاً، وقد دفعت إيران ثمناً كبيراً بسبب اتباع تلك القواعد. ومن تلك الاستراتيجيات الخاطئة: التراجع عن الخطوط الحمراء التي كانت قد وضعتها أمام الكيان الصهيوني في بداية العدوان على غزة، وترك الكيان ينفرد بغزة ثم بحزب الله، وعدم التدخل المباشر لمساندة الحزب وهو يتعرض لنفس العدوان الذي تعرضت له إيران، وأيضاً عدم التدخل المباشر لدعم اليمن، وتجاهل نصيحة سيد المقاومة حسن نصر الله ونصيحة السيد القائد عبدالملك الحوثي الذي نصح بمواجهة الكيان كيد واحدة عندما كان يترنح بعد عملية 7 أكتوبر، وعدم السماح له بالانفراد بغزة.
إلا أن القيادة الإيرانية كانت لها وجهة نظر ومخاوف مبررة، حتى كسف لها العدوان عليها ذلك الخطأ الإستراتيجي وأدركت أن حساباتها كانت خاطئة، وأن الحرص والتردد قد ضاعفا حجم تلك المخاوف والأخطار. فحدث كل ما كانت إيران تخشاه، وهي اليوم عازمة على عدم تكرار ما حدث. ولو وقع عدوان جديد على حزب الله، أراهن بكل شيء أن إيران سوف تتدخل بقوة، والعكس صحيح أيضاً. وأعتقد أن الحزب سيتدخل إذا حدث عدوان جديد على إيران، لأن النتيجة ستكون أسوأ في حال عدم التدخل. كما أن دعم إيران لحزب الله لم يتوقف أو يتراجع، ومن يعتقد أن سقوط سوريا قد منع وصول الدعم والسلاح الإيراني إلى الحزب فهو واهم.
وبحسب بعض الإحصائيات والتقارير، فقد زاد حجم الدعم الإيراني للحزب بشكل أكبر مما كان عليه قبل سقوط سوريا، بل تم تزويد الحزب وتجهيزه بأسلحة نوعية بعد أن كشفت المواجهات الأخيرة نقاط الضعف والقوة. وأصبح الحزب اليوم أكثر استعداداً وقوة، كما تم تعزيز التواصل والدعم والتنسيق مع اليمن والعراق، وتبدد حاجز التردد والخوف بعد العدوان. كما أن إيران لم تفقد نفوذها في سوريا كما يعتقد البعض، بل لديها علاقات وثيقة مع العشائر والطوائف السورية، وربما أصبح نفوذها في سوريا أقوى وأكثر موثوقية. وقد استفادت من التجارب وتعلمت على أرض الواقع، وهي مستعدة اليوم لخوض المعركة بعقلية المجرّب، ومن دفع دماءً طاهرةً ثمن التعلم والتجربة الحية.
ومن يعتقد أن الاعتداء على الحزب أو نزع سلاحه سيكون نزهة فهو أحمق. ونتمنى على الحكومة اللبنانية ألا تختبر صبر الحزب والشعب اللبناني، وألا تجرّب غضبه. أما نتنياهو، فسينطبق عليه قول الله تعالى:
“وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”.


