هجرة الأدمغة: أسبابها ومخاطرها وسُبُل الحد منها

هجرة الأدمغة: أسبابها ومخاطرها وسُبُل الحد منها
يعرض المقال ظاهرة "هجرة الأدمغة"، حيث يهاجر الأفراد المتخصصون من الدول النامية إلى الدول المتقدمة بحثًا عن فرص أفضل. تؤثر هذه الهجرة سلبًا على الدول الأصلية، مما يؤدي إلى نقص في الكفاءات وانخفاض الإنتاج العلمي. يناقش المقال أيضًا الحلول والسياسات اللازمة لمعالجة هذا التحدي...

مقدمة:

أحاول في هذه المقالة البحثية المطولة وضع موضوع “هجرة الأدمغة” تحت المجهر وتقديم بعض الحقائق عن مخاطرها وفوائدها إلى جانب عرض أرقام وأحصائيات عن هجرة الموارد البشرية إلى الخارج لا سيما من بلدان جنوب العالم إلى شمال العالم بالاستناد  إلى مصادر  ودراسات متفرقة.

هجرة الأدمغة أو الهجرة الفكرية والتي يطلق عليها بالإنجليزية (Brain Drain) هي هجرة الموارد البشرية الماهرة  إلى العالم الخارجي وبكلمات أخرى هي حركة الناس من بلدانهم الأصلية إلى بلدان أخرى بحثًا عن مستوى معيشي ونوعية حياة أفضل  ورواتب أعلى والحصول على تكنولوجيا مُتقدمة وظروف سياسية أكثر استقرارًا في أماكن مختلفة حول العالم، وينطبق بشكل أساسي على هجرة الأفراد ذوي التعليم العالي من البلدان النامية إلى البلدان المُتقدمة.

تعتبر هجرة الأدمغة للحصول على فرص أفضل، هي مصدر قلق متزايد في جميع أنحاء العالم بسبب تأثيراتها السلبية الكبيرة. يُنظر إلى هجرة الأدمغة منذ فترة طويلة على أنها ضارة لإمكانات النمو في المواطن الأصلية وعادة ما يُتوقع أن تكون أكثر ضررًا بالنسبة للبلدان الأقل نمواً ، فمثلا تُشير التقارير أن البلدان النامية، أصبحت المصدر الرئيسي لهجرة الكوادر الطبية إلى البلدان المُتطورة مما يؤثر سلبًا على نظام الرعاية الصحية في البلدان النامية ، وبالتالي على صحة السكان بشكل عام. وبالنظر إلى الواقع يُمكن ملاحظة أن بلدان جنوب العالم هي الأكثر تأثرًا بنزوح الأدمغة إلى بُلدان شمال العالم المُتقدمة، وهذا بدوره يؤدي إلى فقدان موارد كبيرة في بلدان الهجرة، وفي الوقت ذاته تدر هذه العملية على الدول المستقبلة للمهاجرين بفوائد غزيرة. وحتى أن بقي هؤلاء المهاجرين مرتبطين روحيًا بأوطانهم ويتابعون أوضاعها عن بعد، فذلك يتم من منظور يتجاوز التزامات الانتماء الوطني والمساهمة الفكرية والجسدية المُباشرة في الوطنِ الأصلي. وتُشير الدراسات إلى أن نسبة الأشخاص المولودين في الخارج في البلدان المُتطورة قد تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 1960 ، وتسارعت هجرة ذوي المهارات العالية من البلدان الفقيرة ولذا تكثف العديد من البلدان جهودها لجذب الطلاب الأجانب والاحتفاظ بهم خصوصًا تلك البلدان التي تعاني من معدلات الشيخوخة المرتفعة.

يمكن لهذا التحويل في البلدان الفقيرة أن يُغير هيكل المهارات للقوى العاملة ، ويسبب نقص العمالة ، ويؤثر على السياسة المالية ، لكنه يمكن أن يولد تحويلات ومزايا أخرى من المُغتربين والعائدين. بشكل عام ، يمكن أن تكون الهجرة نعمة أو نقمة بالنسبة للبلدان النامية. بيد أن هجرة المهنيين ذوي المهارة العالية بموجب نهج رأس المال البشري التقليدي لُعبة مُحصلتها صفر في البلدان الفقيرة ، حيث يتدفق رأس المال البشري على البلدان المُضيفة من البُلدان الأصلية ، ما يُعزز القُدرة التنافسية للبلدان المضيفة في البلدان الفقيرة ، أي “اكتساب الدماغ” على نفقة البلدان النامية.

كانت “هجرة الأدمغة” من العمال المؤهلين تأهيلاً عالياً من البلدان النامية في جنوب العالم إلى البلدان الصناعية في شمال العالم بالكاد موجودة حتى ستينيات القرن المُنصرم ؛ فقبل ذلك الوقت، كان نزوح الموارد البشرية بين الجنوب والشمال يشمل بشكل رئيسي العمال اليدويين وموظفي الخدمة غير المؤهلين ، الذين تم تشجيعهم في الغالب على الهجرة في ظل مخططات تنظمها الحكومات. وعلى النقيض من ذلك ، حدثت هجرة الموظفين المحترفين والمؤهلين أكاديميًا بشكل أساسي بين الدول الصناعية ووصلت إلى ذروتها فور الحربين العالميتين ، عندما هاجر عدد كبير من العمال المُدربين جيدًا والأكاديميين والمهنيين المُتخصصين إلى أميركا الشمالية من الدول الضعيفة اقتصاديًا في أوروبا. تم قبول هذه الهجرة بشكل عام ، لأنها تتوافق مع توقعات النظرية الاقتصادية بأن الهجرة في سوق العمل الدولية المتكاملة ستعادل العرض والطلب الزائدين في مواقع مختلفة وأن كلا البلدين سيستفيدان من هذه العملية. لكن منذ الستينيات ، كان المؤهلون يهاجرون أيضًا من العديد من دول العالم الثالث للبحث عن عمل في البلدان الصناعية في شمال العالم ، وبقوا هناك غالبًا طوال حياتهم. وقد تم انتقاد هذا السلوك بشدة ، وخاصة من قبل حكومات دول العالم الفقيرة النامية ؛ ولم يقتصر الأمر على أن هجرة العمال المؤهلين هي شكل من أشكال “نقل المهارات العكسي” الذي حرم البلدان الأقل نمواً من عامل حاسم وأمس الحاجة إليه للنمو والتنمية ، ولم يعد مقبولاً أيضًا أن يكون نتيجة التشغيل العالمي لآلية معادلة العرض والطلب في السوق للعمال المؤهلين وإنما كان يُنظر إليها على أنها نتيجة للمُنافسة غير العادلة من الدول الصناعية القوية وخاصة الولايات المتحدة على حساب الدول النامية الضعيفة.

لقد شجعت العلاقات بين الشمال والجنوب منذ فترة طويلة تدفقات المهاجرين من ذوي الخبرات المهنية والأكاديمية الجيدة وبالتالي ، فإن مكاسب الرفاهية مقسمة بشكل غير متساوٍ بين مجموعتي البلدان المعنية. تزداد حصة البلدان الصناعية من الرخاء ، بينما تنخفض حصة البلدان الأصلية للمُهاجرين في العالمِ الثالثِ. ومن وجهة نظر أخلاقية ، يبدو هذا الوضع مخزيًا ، ويطرح السؤال حول كيفية مُعالجته. اندلعت المناقشات حول هذه القضية من التأكيد بأن الهجرة الفكرية هي في نهاية المطاف بمثابة دعم مجاني للدول الغنية من قبل الفقيرة ولكن في المقابل ثمة دول تتحمل مسؤولية هجرة مواطنيها بسبب سياساتها الدكتاتورية الطاردة. مُنذ عشرين عامًا ، اقترح الاقتصادي الهندي جاغديش باغواتي أن يُقابل هذا الدعم ضريبة الهجرة، التي سيدفعها إما مهاجرون مؤهلون أنفسهم إلى بلدانهم الأصلية أو تفرضها حكومات دول المقصد وتحولها إلى دول الهجرة الأصلية. وقد نوقشت مقترحات مماثلة خلال مجموعة السبع ،لا سيما في سياق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD). ولكن منذ ذلك الحين، حالت الأنانية المالية للدول الصناعية الكبرى، على وجه الخصوص ، دون إدخال “نظام ضريبي عالمي” مُصمم على هذا المنوال. أن مثل هذا النظام للتدخل ربما كان قد أنتج شيئًا أقرب إلى التوزيع العالمي العادل للرفاهية ، ولكن من غير المرجح أن ينجح في القضاء على أسباب هجرة الأدمغة.

لا تزال الهجرة من بلد إلى آخر مُستمرة، وبأعداد متزايدة نتيجة للعولمة المتزايدة في العلاقات الاقتصادية، بمعنى الترابط العالمي للإنتاج والاستهلاك وخلق المعرفة. ومع ذلك ، لم تعد الآن  هذه الهجرة تُعزى فقط إلى تحسين قرارات الأفراد الباحثين عن عمل ولكن بشكل متزايد أيضًا إلى قرارات الشركات، التي تجند خبراء في بلد ما وتدمجهم مع عوامل إنتاج أخرى في مكان آخر.

أرقام وإحصائيات :

يُمكن اعتبار القرنين العشرين والحادي والعشرين قرني الشتات الفكري بامتياز. يعيش اليوم عُلماء وكُتاب ومثقفون معروفون ويعملون خارج بلدان ميلادهم ؛ وقد شكلت تجربة المنفى والتشرد تفكيرهم بشكل ملحوظ وهذا بدوره يشكل خسارة فادحة لبلدانهم الأصلية. فمثلا في عام 1976 قدر الباحث الاقتصادي الهولندي يان تينبرغن كلفة هجرة الأدمغة بالنسبة للدول النامية بـــ  4.6 مليار دولار سنويا. وفي عام 1972 ، كان حوالي 6٪ من أطباء العالم (140.000) موجودين خارج بلدانهم الأصلية. أكثر من ثلاثة أرباعهم موزعين في ثلاث دول فقط: الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا. وفي عام 2000 ، كان ما يقرب من 175 مليون شخص ، أو 2.9 ٪ من سكان العالم ، يعيشون خارج بلد ميلادهم لأكثر من عام. ومن بين هؤلاء ، كان هناك حوالي 65 مليون شخص نشط اقتصاديًا.

وفقًا لقاعدة بيانات الهجرة العالمية التابعة للأمم المتحدة ، زاد عدد المهاجرين الدوليين من 75 مليونًا في عام 1960 إلى 214 مليونًا في عام 2010. وهذا يوازي النمو في عدد سكان العالم ، لذلك ارتفع معدل الهجرة العالمي بشكل طفيف فقط من حيث النسبية ، من 2.5 ٪ إلى 3.1٪ من سكان العالم.

يشكو ممثلو البلدان الأفريقية ، على وجه الخصوص، ليس فقط من أنهم فقدوا عددًا كبيرًا من رعاياهم الذين تلقوا تدريبًا أكاديميًا في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية منذ أوائل الثمانينيات ، ولكن أيضًا من أولئك الذين بقوا في بلدانهم الأصلية ويخسرون وظائفهم بسبب المنافسة من الخبراء الأجانب. تشير التقديرات إلى أنه في منتصف التسعينات ، تم استبدال ما بين 80.000 و 100.000 أفريقي مؤهل بخبراء أجانب ، بالإضافة إلى 23.000 عامل مؤهل تخسره إفريقيا سنويًا للدول الصناعية.

التدفق الأكثر وضوحا هو هجرة العمال المؤهلين مهنيًا وأكاديميًا من أميركا الجنوبية والوسطى إلى أمريكا الشمالية. استقطبت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا معًا بين عامي 1960 و 1990 أكثر من مليون شخص من المؤهلين من البلدان النامية ، معظمهم من أميركا اللاتينية وآسيا والدول العربية.

من الواضح أن البلدان الأكثر تضررًا هنا هي المنطقة العربية ومنطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى ، والتي بهذه الطريقة تفقد جزءًا كبيرًا من خريجيها من الطبقة المتوسطة التجارية وخريجي الجامعات لصالح دول شمال العالم. وفي داخل أميركا الجنوبية مثلا ، هناك هجرة كبيرة إلى فنزويلا والمكسيك والأرجنتين والبرازيل من البلدان المجاورة،ولكن العمال والأكاديميين المؤهلين مهنيًا أيضًا يهاجرون بأعداد كبيرة من الأرجنتين وكولومبيا إلى الولايات المتحدة، والآن أيضًا بشكل متزايد إلى إسبانيا وإيطاليا.

وبالنسبة لمهاجري الدول العربية، “تكشف دراسات الجامعة العربية أن 54% من الطلاب العرب، الذين يدرسون في الخارج، لا يعودون إلى بلدانهم الأصلية، لدرجة أن الأطباء العرب أصبحوا يمثِّـلون 34% من إجمالي عدد الأطباء في المملكة المتحدة”.

“وتشير هذه الدراسات إلى أن الوطن العربي يُـساهم بنحو 31% من الكفاءات والعقول المهاجرة من الدول النامية ككل، كما أن نحو 50% من الأطباء و23% من المهندسين و15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية، يهاجرون متوجِّـهين إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا بوجه خاص. وتوضِّـح هذه الدراسات أن نحو 75% من الكفاءات العِـلمية العربية مُـهاجرة إلى ثلاث دول غربية بالتحديد وهي: بريطانيا وأمريكا وكندا”.

يقول الأكاديمي المصري  الدكتور عبد السلام نوير بهذا الصدد : “لا ينكر المُـنصفون في الغرب أن هذه العقول المُهاجرة تُـعتبر رصيداً إضافياً لها في مجال الريادة العلمية والفكرية، وأنها تساهم إسهاماً فاعلاً في التقدّم الصناعي والتكنولوجي وتسرّع من حركة التنمية الشاملة فيها، ولعل أكبر دليل على ذلك، حصول بعض العلماء العرب المهاجرين للغرب على جائزة نوبل في تخصصاتهم الدقيقة، ونذكر منهم على سبيل المثال الدكتور أحمد زويل، الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999 لإنجازاته العلمية الهائلة في دراسة وتصوير ذرّات المواد المُـختلفة خلال تفاعلاتها الكيميائية، باستخدام ثانية “الفيمتو المطيافية”.

وحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, فإن ”  معضم البلدان العربية تتسم بهجرة خارجية، لكن أعداد المهاجرين الكبيرة في بلدان مجلس التعاون الخليجي تعني أن عدد المهاجرين العرب وغير العرب الذين تستقبلهم البلدان العربية ككل يفقوق عدد مهاجريها إلى الخارج  ويعيش ما يُقدر بـ27 مليون مهاجر داخل حدود دول مجلس التعاون الخليجي الأغنى في المنطقة حيث أستأثرت هذه البلدان بنحو بنحو 80 في المئة  من كل المهاجرين العرب وغير العرب خلال السنوات 2010-2014 “. وقد خلفت نزاعات حديثة العهد تأثيرًا كبيرًا في أنماط الهجرة ودائمًا كانت بعض البلدان المتورطة في نزاع مفتوح أو المهدد بعنف وشيك مرسلة للمهاجرين لكن انعدام الاستقرار السياسي يُبرز هذه الاتجاهات. “ففي سنة 2010 كان عدد المهاجرين السوريين المقيمين في الخارج نحو 416 ألفا أو 1.9 في المئة من إجمالي السكان المقيمين وهي نسبة شهدت ارتفاعا كبيرا إلى ما يقرب من 14 في المئة في أواسط 2014 واستمرت بالصعود في الأعوام التالية”. ويضيف التقرير: “كان العراق وليبيا البلدان المنتجان للنفط وجهتين لعدد كبير من العمال الوافدين حتى غزو العراق عام 2003 والإطاحة بالنظام الليبي عام “2011.

وحسب التقرير: “تتجه غالباً الهجرة من بلدان عربية في غرب آسيا نحو بلدان عربية أخرى،  في حين أن الهجرة من بلدان مجلس التعاون الخليجي وبلدان عربية في شمال أفريقيا تتجه إلى بلدان غير عربية. فمواطنو البلدان العربية في شمال أفريقيا يهاجرون بأعدادٍ كبيرة إلى أوروبا لا سيما إلى إسبانيا وايطاليا وفرنسا، ويتوزع المواطنون الخليجيون بين أستراليا وأميركا الشمالية ( كندا والولايات المتحدة) وأوروبا،  فيما استقر كثير من اللبنانيين في أميركا الجنوبية وغرب أفريقيا. في المقابل يقتصر إلى حد كبير وجود اللاجئين من بلدان مزقتها الحروب أو غير مستقرة سياسيًا (سورية والصومال والعراق وموريتانيا) على دول مجاورة”.

ويكشف التقرير الإنمائي لعام 2016 عن أن” الهجرة أحد اعراض إقصاء الشباب العرب ذوي المهارات المرتفعة من مجتمعاتهم. وقد حُددت الأُسس الهيكلية لمعدلات الهجرة المرتفعة من البلدان العربية قبل وقت طويل من بدء الانتفاضات العربية وهي مداخيل مُتخلفة، واقتصادات قائمة على المحسوبية ومحاباة، وافتقار إلى حرية التعبير السياسي. وقد أعاقت كل هذه الأسباب مشاركة الشباب الاجتماعية – السياسية، خصوصًا المهرة ذوي المهارات المرتفعة. ففي العقد الأول من هذا القرن شهدت البلدان العربية أحد أعلى معدلات الهجرة لذوي المهارات في العالم، وكشفت عدة دراسات استقصائية للشباب عن تزايد أعداد الساعين منهم إلى الهجرة. مثلا بين ذوي التعليم العالي في تونس، ارتفعت نسبة الشباب الراغبين في الهجرة إلى 76 في المئة عام 2005، وفي لبنان كان ثلث الخريجين الشباب راغبين في مغادرة البلد عام 2008 فيما كان 62 في المئة من المهاجرين الأردنيين عام 2010 من خريجي الجامعات”.

وقد اجتذبت كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة في العقدين الأخيرين حصة الأسد من المهاجرين من المنطقة العربية ذوي المهارات العالية، ما يعكس استراتيجية على هجرة العمالة، وبلغت الهجرة العمالية نحو ثُلثي حالات القبول في هذه البلدان الثلاثة 60.7 في المئة في كندا و 70.6 في المئة في في المملكة المتحدة و 60.3 في المئة في الولايات المتحدة بين سنتي 1996 و 2011.

وجاء في كتاب ( قيمة القيم) للباحث المغربي الدكتور المهدي المنجرة أن المنظمة الدولية للهجرة: “تقدر عدد العاملين المؤهلين من أصل إفريقي بفرنسا وأمريكا الشمالية، يتراوح بيم 300.000 ، بينما تسجل OCDE  أن أكثر من مليون افريقي حاصل على شهادة التعليم العالي موجود ببلدان أعضائها”. “ويقدر برنامج التنمية لهيئة الأمم المتحدة، أن %    54 من الأطباء، %26 من المهندسين و %17 من حاملي الشهادات العلمية من الجامعات العربية والإفريقية، يهاجرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأن نصف المتخرجين الأفارقة والعرب الذين يدرسون بالخارج، لا يعودون أبدا ألى بلدانهم الأم. ويؤكد نفس المصدر أنه في سنة 1995-1996 هاجر ربع خريجي الجامعات العربية (300.000 خريج) كما هاجر 15.000 طبيب بين 1998 و 2000”.

وورد أيضاً في صفحات كتاب الدكتور المنجرة: “يعتقد  Philip Emeagwali المتخصص في الرياضيات من إفريقيا والذي ساهم في استكمال إنجاز الحواسب المتطورة (جائزة نوبل في الإعلاميات) أن: (( التناقض بإفريقيا يكمن في كوننا نتفق 4 مليارات  دولار على 100.000 خبير أجنبي  لكن نرفض دفع مبلغ شبيه به لتوظيف  250.000 محترف إفريقي يعمل بالخارج)) ،ويضيف إن (( ميزانية  التربية الإفريقية  ماهي إلا تكملة للميزانية الأمريكية لأن ثُلُثي الجامعات الإفريقية تعمل على تلبية الحاجيات الأمريكية والبريطانية من الموارد البشرية)) “.

ومما أورده السيد المنجرة في كتابه (قيمة القيم) : “هناك تحول مهم في تشكيلة المهاجرين بشكل عام والجاليات من العالم العربي وإفريقيا بشكل خاص. ففي فرنسا ارتفع عدد المهاجرين من أصحاب (( المهن العلمية العليا)) الذين يمثلون 2,4 في المائة من مجموع المهاجرين وذلك بنسبة 10 في المائة على مدى 20 عاما”.

ويضيف: “والواقع أن استنزاف العقول يكلف العالم العربي 200 مليار دولار سنويا حسب دراسة حديثة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية للخليج في الإمارات العربية المتحدة. ووفقا لما جاء في هذه الدراسة فالبلدان الغربية تستفيد من 450 ألف عقل مهاجر بينما لا يرجع سوى 4,5 في المائة من الطلاب العرب إلى بلدان التي تصرف ما يقل عن 0,2 في المائة على البحث العلمي”.

وفي آسيا واليابان وأستراليا تم العمل منذ فترة طويلة على جذب مهاجرين مؤهلين من المناطق المجاورة. وفي الآونة الأخيرة ، أصبحت البلدان الصناعية الحديثة مثل سنغافورة، وجهات للمهاجرين المؤهلين. على سبيل المثال ، أن الفلبين فقدت في السبعينات أكثر من 10٪ من عمالها المؤهلين إلى الولايات المتحدة ودول شرق آسيا سريعة النمو. في نفس الوقت تقريباً حوالي 20٪ من السكان المؤهلين الذين هاجروا إلى بنغلادش. ويبدو أن إفريقيا قد تضررت بشدة من هجرة الأشخاص المؤهلين. يتألف جزء من هذه الهجرة من أكاديميين درسوا بشكل أساسي في فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والذين هاجروا مرة أخرى عند الانتهاء من دراستهم. بالإضافة إلى ذلك ، تهاجر نسبة كبيرة من العمال المؤهلين مهنيًا داخل إفريقيا من الدول الأكثر فقراً إلى الدول الأكثر ازدهارًا. على سبيل المثال ، تعد نيجيريا في غرب إفريقيا وكينيا في شرق إفريقيا مغناطيسًا لهؤلاء المهاجرين.

لقد غادر بين عامي 1985 و1990 حوالي 60.000 طبيب ومهندس وموظف جامعي إفريقيا. يُعتقد أن الرقم ارتفع منذ عام 1990 إلى ما يصل إلى  20000 شخص في السنة. هذه الظاهرة واضحة بشكل خاص في غانا ، حيث هاجر حوالي ثلث جميع العمال المؤهلين ، وفي السودان ، حيث غادر ما بين ثلث ونصف جميع المهندسين المدربين أكاديميًا. في شمال إفريقيا ، تأثرت مصر والجزائر بشكل كبير بشكل خاص بهجرة العمال المؤهلين مهنيًا وأكاديميًا.

يشعر الخبراء وصانعو السياسات بالقلق من أن الاستثمار في التعليم العالي في البلدان الأقل نموًا قد يؤدي إلى “هجرة الأدمغة” ، حيث يُغادر الطلاب والمهنيون ذو التعليم العالي بلدانهم ولا يعودون إلى ديارهم أبدًا.

أظهر تقرير كوفمان 2016 عن طلاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات الدوليين في الولايات المتحدة أن من بين عينة عشوائية من 2332 من طلاب الدكتوراه الأجانب الذين شملهم الاستطلاع ، يرغب 48 ٪ في البقاء في الولايات المتحدة بعد التخرج ، بينما أراد 12 ٪ فقط المغادرة و 40 ٪ لم يقرروا بعد. لأن الطلاب ينتقلون عادة من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة للدراسة، فإن هجرة الأدمغة تكون أكثر إشكالية بالنسبة للبلدان النامية. ونظراً لتدفقات المواهب المتسارعة حول العالم والاندماج المتزايد للبلدان الأقل نمواً في سلاسل القيمة العالمية ، يمكن زيادة التأثير السلبي لهجرة الأدمغة.

لكن الصورة تتغير عندما يقتصر التركيز على الهجرة إلى البلدان المتقدمة. فقد زادت نسبة المهاجرين الدوليين المقيمين في البلدان مرتفعة الدخل مقارنة بالإجمالي في جميع الوجهات المحتملة من 43٪ إلى 60٪ بين عامي 1960 و 2010. وعند القياس مع نسبة المولودين في الخارج في إجمالي عدد السكان في البلدان عالية الدخل فقد تضاعف متوسط معدل الهجرة إلى هذه البلدان ثلاث مرات منذ عام 1960 وتضاعف منذ عام 1985. وقد اتبعت الزيادة نفس المسار الذي تتبعه نسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي. ويأتي عدد أكبر من هؤلاء المهاجرين من دول خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

كشفت قاعدة بيانات للهجرة الثنائية العالمية المنشورة في عام 2011 أنه حتى عام 2000 ، كانت الهجرة بين البلدان النامية لا تزال تهيمن على مخزون المهاجرين العالمي: عند 72.6 مليون شخص ، شكلت الهجرة بين البلدان النامية حوالي 45٪ من جميع الهجرة الدولية. ثم جاءت الهجرة من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة (55 مليون ، 34٪ من جميع المهاجرين) ثم الهجرة بين الدول المتقدمة (28 مليون ، 17٪). لكن النمو في عدد المهاجرين كان مدفوعًا إلى حد كبير بالهجرة من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة ، والتي زادت من عشرة ملايين إلى 55 مليونًا بين عامي 1960 و 2000.

تتجاوز معدلات هجرة العمال ذوي المهارات العالية تلك الخاصة بالعمال ذوي المهارات المتدنية في جميع البلدان تقريبًا. إن التحيز المهاري في مُعدلات الهجرة واضح بشكل خاص في البلدان منخفضة الدخل. يُلاحظ أن أكبر معدلات هجرة الأدمغة في البلدان الصغيرة والفقيرة في المناطق الاستوائية ، وقد ارتفعت خلال فترة التسعينات. تشهد البلدان الأكثر تضرراً هجرة أكثر من 80٪ من “عقولها” إلى الخارج ، مثل هايتي وجامايكا والعديد من الدول الصغيرة التي يعمل بها أقل من مليون عامل. تخسر حوالي 20 دولة أخرى بين ثُلث ونصف خريجي الجامعات فيها. يتواجد معظمهم في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى (مثل ليبيريا وسيراليون والصومال) أو آسيا (مثل أفغانستان وكمبوديا). وعدد قليل من البلدان الصغيرة ذات الدخل المرتفع (مثل هونغ كونغ وأيرلندا).

تُشير التقديرات إلى أن العلماء الأجانب من البلدان النامية الذين يشاركون في البحث والتطوير ينتجون 4.5 مطبوعات وبراءات اختراع أكثر بعشر مرات من نظرائهم في الداخل. يتطلب السياق والظروف التي يكون فيها العلم والتكنولوجيا قادِرَين على الازدهار، اتخاذ قرارات سياسية وتمويل وبنية تحتية ودعم تقني ومجتمع علمي ؛ وهذه غير متوفرة بشكل عام في البلدان النامية. وتعتمد قيمة وفعالية الأفراد على علاقتهم بالناس والمؤسسات والمنظمات التي تمكن من خلق المعرفة ، وتشكل معًا بيئة مُلائمة. يمكن لهؤلاء العلماء المغتربين والمتخصصين في المساهمة بمعارفهم ومهاراتهم البحثية في بلدانهم الأصلية من خلال تطوير برامج تدريبية تعاونية ومشاريع بحثية وتعليم مواطنيهم. وهذا يتطلب التزام العلماء الأجانب وتقبلهم الطرف الآخر. ويحتاج العلماء والقادة السياسيون وصناع القرار في البلدان النامية والمتقدمة ووكالات التنمية الدولية إلى تقدير الطبيعة الاجتماعية والتآزرية لتبادل المعرفة بحيث يتم تصميم السياسات وأنظمة التعليم لتعزيز وتمكين البحث والتطوير.

على الرغم من قلق الدول الغنية ، إلا أن هجرة الأدمغة ينظر إليها على أنها عائق خطير أمام تنمية الدول الفقيرة. تكشف البيانات المقارنة أنه بحلول عام 2000 كان هناك 20 مليون مهاجر من ذوي المهارات العالية (العمال المولودون الأجانب الحاصلون على تعليم عال) يعيشون في البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ، بزيادة 70 ٪ في عشر سنوات. جاء ثُلثا هؤلاء المهاجرين ذوي المهارات العالية من البلدان النامية والبلدان التي تمر بمرحلة انتقالية.

من المرجح أن تشهد البلدان ذات رأس المال البشري المنخفض ومعدلات الهجرة المنخفضة مكاسب جيدة ولكن يبدو عدد الدول الخاسرة أكبر من عدد الدول الرابحة في هذه المعادلة فالدراسات تُشير إلى أن 88 دولة تخسر كفاءاتها البشرية و 20 دولة تنال فوائد من عملية الهجرة من مجموع 108 دولة نامية. وأن الخاسرين يظهرون خسائر كبيرة، والمستفيدين يحققون مكاسب صغيرة. وتبدو حالة العديد من الدول العربية ودول جنوب صحراء أفريقيا وأميركا الوسطى والدول النامية الصغيرة مقلقة في هذا الجانب. وفي المقابل ، يبدو أن أكبر الدول النامية مثل (البرازيل والصين والهند) هي من تحقق مكاسب معتدلة من الهجرة.

أسباب ومخاطر هجرة الأدمغة:

أن أول دراسة حول أسباب هجرة الأدمغة كانت عام  1968 وقد أجريت من قبل منظمة اليونيسكو ومعهد اليونيتار وأفرزت عن سببين مهمين للهجرة وهما كالتالي:

  • البنيات التحتية والموارد غير الملائمة للبحث.
  • الحواجز المفروضة على الحرية الأكاديمية ،أما بخصوص الربح المادي فلا يشكل الحاجز الأساسي.

ويرى عالم الاجتماعي المغربي الدكتور المهدي المنجرة كما جاء في كاتبه ( قيمة القيم) أن هجرة الأدمغة إشكال معروف وأسبابه بسيطة وهي كالتالي:

  • غياب البنى التحتية لاستغلال المعارف المكتسبة طيلة سنوات الدراسة.
  • ضعف مصادر تمويل برامج البحث والتنمية.
  • غياب الحرية الضرورية للإبداع والابتكار وتفجر الطاقات الفردية والجماعية.
  • الخوف من كفاءات الشباب من لدن الأطر المتجاوزة جراء التطور الهائل للمعارف.

إن هجرة الأدمغة والتنمية الاقتصادية لبلدان موطن الهجرة هما عمليتان مترابطتان. أولاً: تؤثر هجرة الأدمغة على التنمية ، ويصبح تأثيرها سلبياً بشكل لا لبس فيه عندما يكون معدل الهجرة مرتفعاً. ثانياً: إن نقص النمو الاقتصادي يُحفز خريجي الجامعات على الهجرة. يُمكن أن تكون التفاعلات بين هذين المُتَغَيِرَين مصدرًا لحالات ضارة ونافعة مرتبطة بقرارات فردية للهجرة. بمجرد أن يحدث استنزاف كبير في هجرة العقول ، يمكن أن يكون لذلك آثار ضارة على الاقتصاد تؤدي إلى مزيد من موجات الهجرة من قبل العمال ذوي المهارات العالية. ولكن عندما تكون العودة كبيرة ، فإنها تعطي حوافز لموجات أخرى من العائدين إلى الوطن.

يُهاجر أغلب الشباب المتعلمين جيدًا ، للسعي وراء التعليم العالي والتحسين الاقتصادي بسبب استمرار التفاوت في ظروف العمل بين الدول  الغنية والفقيرة. يواجه المهاجرون مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تدفهم لمغادرة أوطانهم. كذلك يهاجر البعض بسبب نقص تمويل البحوث ووجود مرافق فقيرة وهياكل مهنية المحدودة وضعف التحفيز الفكري إلى جانب التهديدات ؛ وعدم وجود تعليم جيد للأطفال.

ينبغي النظر إلى المستوى الملحوظ من هجرة الأدمغة على أنه نتيجة ثانوية حتمية للفقر. ولكن في حوالي 50٪ من البلدان النامية الصغيرة ،تلك التي لديها أقل من مليون بالغ في سن العمل، يسود التوازن غير المواتي ، مما يعني أنه يمكن الحد من الفقر وهجرة الأدمغة إذا تم تنسيق قرارات الهجرة الفردية. في البلدان ذات التنسيق السيئ، يمكن الانتقال إلى التوازن الإيجابي في حال زيادة الأجور والناتج المحلي الإجمالي للفرد. من المرجح أن يتم التنسيق في الدول الصغيرة بشكل سيئ لأن الهجرة من هذه الدول تكون أكثر استجابة للصدمات الاقتصادية. لذا تتطلب هذه البلدان الصغيرة سياسات إنمائية مناسبة.

كما أن الهجرة إلى الخارج تغذيها إلى حد كبير الاتجاهات الديموغرافية للدول، على سبيل المثال عامل الشيخوخة أو نقص القوى العاملة ويرافق ذلك فتح الحدود الدولية للسلع والعمالة ، وهي استراتيجية رئيسية في الاقتصاد العالمي الليبرالي الحالي، قادت العالم إلى تحولًا كبيرا أدى إلى “نزوح رأس المال البشري” و “هجرة الأدمغة”.

ومن الأسباب التي تصعب عودة الكفاءات المهاجرة من الخارج والاستفادة منها هو عدم تعاون الجيل الذي بقي ودرس في البلد الأم مع المثقفين الشباب المدربين في البلدان المتقدمة. هناك درجة من الغيرة من جانب خريجي الداخل الذين لم تتح لهم فرصة الذهاب إلى الخارج. العديد منهم لا يستطيع أن يعترف بأن مواطنه المتعلم يجب أن يحصل على وضع أفضل. في مثل هذه الحالات ، يجب على الأكاديمي أو الباحث الذي يعود من الخارج أن يواجه درجة معينة من العداء. يصبح الوضع دائرة مفرغة عندما يدرك المواطن المتعلم في الخارج بدوره أن غيره من لا يمتلك مؤهلات متطابقة ويحصل على راتب أعلى ومزايا متعددة. وينشأ ذلك على وجه الخصوص من الموقف المستمر في البلدان النامية لإعطاء ثقة أكبر للمتخصصين المنتمين إلى البلدان المتقدمة من المواطنين المتعلمين في البلد. يمكن القول أن ثمة عقدة نقص موجودة بين الأجيال الأكبر سنا في البلدان النامية فيما يتعلق بالمعرفة الفنية الغربية التي يكتسبها الطلاب المهاجرين.

إن توفر التعليم عالي الجودة والفرص في البحث هي مفاتيح الحفاظ على المواهب وجذبها. توضح لنا مثلًا الخطوات التي اتخذتها الصين لتصبح رائدة في مجال البحث البيولوجي والتكنولوجيا الحيوية نجاح التمكين الكبير للشباب. إذ وضعت القيادة العلمية الصين لتصبح الدولة النامية الوحيدة المشاركة في مشروع الجينوم البشري. الخبرة المكتسبة من خلال مشاركة مؤسساتها في مشروع الجينوم البشري وقدمت منصة لتطوير التكنولوجيا الحيوية التي يمكن تطبيقها على الأمراض البشرية والزراعة. تجتذب الفرص التي يولدها الصينيون في مجال التكنولوجيا الحيوية كلا من التعاون الدولي في المشاريع المشتركة والعلماء الموهوبين من الصين والخارج.

يمكن تكرار هذا المثال في بلدان نامية أخرى بمساعدة مواطنيها الأجانب المغتربين الذين طوروا مهارات في البحث مطلوبة في بلدانهم الأصلية. يوفر هذا النهج فرص تعليمية واستثمار في البنية التحتية للعلم والتكنولوجيا ويعيد توجيه هجرة الأدمغة. من المغري التفكير في أن مثل هذه البرامج في الموقع التي تنطوي على المواهب الوطنية في الداخل والخارج إلى جانب استراتيجيات التعلم عن بعد الإبداعية يمكن أن تخلق شبكات من المغتربين وبالتالي تمكين بلدانهم الأصلية من الوصول إلى تعليم على مستوى عالمي في تخصصات محددة في البلدان النامية العالمية.

الرأي السائد هو أن هجرة المهنيين والأكاديميين من البلدان النامية أضرت بالتأكيد البلدان الأصلية حيث أن “النقل العكسي للمتعلمين الماهرين” الناتج عن هذه الهجرة ينطوي على تكاليف باهظة لبلدان المنشأ التي لا تسددها البلدان الصناعية ؛ ووفقًا لمكتب البحوث التابع للكونجرس الأمريكي ، فقد أنفقت البلدان النامية في بداية السبعينيات حوالي 20000 دولار أمريكي في المتوسط لتدريب كل مهاجر مؤهل. وبما أن الهجرة تحرم البلدان الأصلية من الاستفادة من هذا الإنفاق في حين أن البلدان الصناعية قادرة على استيراد المهارات دون تكلفة ، فإن هجرة العمال المؤهلين تتلخص في نقل غير مباشر للازدهار من العالم الثالث إلى العالم الأول. أولئك الذين لا يشاركون مثل هذه الآراء “يجب أن يعترفوا بأن هجرة العمال المؤهلين من دولة نامية تجلب سلبيات للسكان الذين تُركوا وراءهم ، لأنها تقلل من فرص نشر عوامل الإنتاج بشكل منتج مقابل رأس المال البشري ، مثل العمل اليدوي و رأس المال. حتى لو افترض أن نسبة كبيرة من العمال المؤهلين كانوا عاطلين عن العمل في وطنهم ، بحيث ساعدت الهجرة إلى بلد آخر على تقليل العرض الزائد للمهارات (” فيض العقول “) ، يجب إثارة الاعتراض ضد هذه العملية لأن الهجرة في الظروف السائدة في البلدان النامية تؤدي إلى عدم التوازن في سوق العمل. يرجع ذلك إلى أن الهجرة تعمل كمنفذ للعمل الفائض ، وتخفف من الضغط لإزالة الصروح الهيكلية الموجودة في العديد من دول العالم الثالث والتي تسبب عدم مرونة سوق العمل.

وهذا يعني أن انخفاض هجرة العمال المؤهلين لا يؤدي إلى زيادة المنافسة وبالتالي إلى انخفاض الأجور الاسمية في هذا القسم من سوق العمل ، كما هو متوقع. وبالتالي ، فإن عرض العمالة المؤهلة يظل مفرطًا فيما يتعلق بالإمكانيات المحلية لاستخدامه ، مما يخلق دائرة مفرغة تؤدي فيها البطالة التي تحدث بين العمال المؤهلين إلى إجبار المزيد من الهجرة. وبالتالي ، فإن هجرة العمال المؤهلين لا تؤدي فقط إلى إدامة الجمود الهيكلي المتوطن في العديد من دول العالم الثالث ، بل تؤدي أيضًا إلى فقدان إمكانات النمو نتيجة لفقدان التفكير العقلاني والأفراد المبتكرين المستعدين لتحمل المخاطر.

بالعودة إلى أسباب هجرة الكفاءات العربية، يفكك الباحث وعالم الاجتماع المغربي (المهدي المنجرة) في كتابه (قيمة القيم )عجز العالم العربي  في مجال المعرفة ويدين موقف القادة العرب من مشاريع التنمية البشرية.

في لقاء له مع أحدى الصحف يرجع الدكتور المنجرة هذا التأخر في العالم العربي، مقارنة مع الغرب، إلى “بنية عقليتنا وعدم كفاءة القادة العرب. لقد رفضوا إدراك أهمية الكفاءات وأولوا اهتماما بالغا للجانب المادي للتقدم”. ويضيف،” لم تستثمر الدول العربية بالكفاية في مجال التربية والعلوم والبحث العلمي. وهذه الاستثمارات تتطلب الوقت لتحقيق النتائج، إن منطق الأمد المتوسط والطويل، ناذرا ما حظي بالاهتمام الكافي. في أيامنا هذه، من المستحيل القيام بالبحث العلمي بسعر منخفض. يجب على الدولة أن يكون لها برنامج ساري المفعول، يسمح لجامعاتنا أن تتوفر على ميزانية مخصّصة للبحث العلمي”.

ويردف :”لقد طبعت الفترة الاستعمارية بمحاربة متواصلة للعلم والعلماء، وأعتقد أن الوضع لازال قائما في العالم العربي. في بلادنا لا نشجع الكفاءة ولا يوجد هناك مسؤولون أسوأ من أولئك الذين يجهلون درجة جهلهم. وعندنا فائض في العالم العربي، علينا أن نفهم أن الإنسان هو محور التطور، والتخطيط والاستقلال الذاتي. إن التصورات والتحاليل، والمناهج والسياسات والاستراتجيات لا معني لها، إلا إذا جعلنا بیينها علاقات مباشرة وفعالة من أجل سعادة ومستقبل الإنسان”.

وعن مسؤولية المثقفين يرى المنجرة “إننا كلنا مسؤولون على هذا الوضع الكارثي للمعرفة في العالم العربي، وركود مثقفينا، وعدم فعالينهم ساهم في تخلفنا. لقد نجح القادة العرب في إرهاب المثقفين ودفعوا عددا كبيرا منهم للتخلف عن عالم المعرفة والإبداع. وكل إبداع يحتاج إلى احتجاج. وإذا رفضنا النقد الذاتی، لا أعتقد أننا سنتطور ؛ ولذلك، فإذا لم تكن هناك مقاصد، ليس هناك نظام، ويصبح التقييم شبه مستحيل”. ويردف “أعتقد أن الكل مسؤول، ويجب إعادة النظر في مقاربتنا لكي نسمح للكفاءات بالإبداع، وبالتالى تطور المجتمعات”.

بسبب قيود البيانات ، فإن تحديد تأثير هجرة الأدمغة على الرفاهية والتنمية في البلدان الأصلية أمر معقد. يبقى تحديد حجم الآثار وما إذا كانت إيجابية أو سلبية أمرًا مثيرًا للجدل بين الاقتصاديين. وتبقى الأولوية هي تحسين البيانات المتعلقة بالهجرة الدولية على عدة أبعاد ، ولا سيما تواترها ، ونوعية التعليم ،ومستويات التعليم في مختلف التخصصات. ثانيًا ،حالة البيانات المقارنة حول قوانين وسياسات الهجرة ، خاصة بعدها الثنائي ،مع استثناءات قليلة ، لم تستغل الدراسات الدقيقة للهجرة والتنمية الاستفادة الكاملة من ثورة التوزيع العشوائي في الإحصاءات. المهمة الثالثة ، إذن ، هي تصميم واستغلال الأبعاد الثنائية لمجموعات بيانات الهجرة المستقبلية للتحليل عبر البلاد ، وعلى المستوى الجزئي ، للتحقيق في الأحداث الطبيعية وتجارب السياسات لتحديد الآثار السببية للهجرة عالية المهارات على التنمية النتائج.

وإذا اردنا تلخيص بعض مخاطر الهجرة بشكل عام فستكون على النحو التالي:

  • تؤدي الهجرة إلى قلة المختصين لتشكيل عقول جيل الشباب ، مما يخلق فراغًا في المجتمع.
  • تؤدي إلى نقص في القوى العاملة.
  • تأثر على البنية التعليمية والمهنية للقوى العاملة.
  • تؤدي هجرة الأدمغة إلى التخلف،لأن هؤلاء المثقفين الذين يغادرون هذه البلدان كان بإمكانهم استثمار مواردهم وقدراتهم في بناء الدولة.
  • تبدد الهجرة الموارد البشرية والمالية التي أنفقت في تعليم وتدريب الكفاءات.
  • تؤدي إلى ضُـعف وتدهور الإنتاج العلمي والبحثي.
  • تقود هجرة العقول إلى تعزيز ديكتاتورية واستبدادية الحكومات، بسبب أنخفاض عدد المثقفين، وبهذا يمكن للحكومة أن تستغل ضعف الوعي وتعزز سلطتها وفسادها.
  • يؤدي نزوح الأدمغة إلى ضعف قدرة الموارد البشرية وتصبح الغالبية العظمى من السكان غير مؤهلة وغير مستعدة لمواجهة التحديات المستقبلية للدولة.
  • تزيد خسارة العقول من عدم الولاء للوطن الأم، ومعظم هؤلاء المثقفين الذين غادروا بلدانهم سيقاطعون أوطانهم ويعلنون ولائهم لبلدان أخرى.
  • تشوه هجرة الأدمغة وتهميش الكفاءات صورة الدولة أمام العالم وتضعها في عزلة وصعوبة لإقامة علاقات دولية وعقد صفقات استثمارية.
  • ومن آثار الهجرة هيى انخفاض الاستثمارات الأجنبية،لأن الشركات ترغب في الاستثمار في بيئة تكون فيها القوى العاملة الماهرة متوفرة لأن ذلك سيقلل من تكلفة نقل العامل الذين سيأتون لملأ الفجوات. لذا فإن الموارد البشرية الجيدة هي أحد محركات الاستثمار.
  • تؤدي هجرة العقول إلى البطالة، لأن المهاجرين من ذوي الكفاءات يخلفون وراءهم ثغرة كبيرة يصعب على المواطنين الذين لا يمتلكونها سدها أو وضع أشخاص غير مؤهلين المواقع الشاغرة مما يسبب تلكؤ في الإدارة والتنمية.
  • تحرم الهجرة البلدان من ميلها إلى الاستفادة من مواردها البشرية الماهرة وتزرع فكرة الهجرة في عقول الأجيال القادمة، ما يجعل الدولة بيئة طاردة للطاقات.
  • تزيد هجرة الأدمغة من الفجوة التكنولوجية بين الدول الرائدة والدول النامية لأن تركيز رأس المال البشري في الاقتصادات الأكثر تقدماً يساهم في تقدمها التكنولوجي.

هل من الممكن الاستفادة من هجرة الأدمغة؟

الهجرة الفكرية هي ظاهرة في المجتمع البشري تجد مبررها في تحول مراكز الحضارة وتستند إلى دوافع شخصية للمثقفين مثل سعيهم لتحقيق الإنجاز العلمي، وارتياحهم وتكييفهم مع ثقافة وطريقة حياة مختلفة، وانتمائهم إلى مجموعات عرقية وطبقات اجتماعية معينة ، واستقرارهم أو ينبع ذلك من الإحساس بالأممية. قد يكون ذلك مدفوعًا بالظروف السياسية والاجتماعية مثل درجة الحرية وظروف العمل في البلد المضيف. وقد يكون فرض الكثير من القيود على التنقل الدولي للسكان المتعلمين ضارًا بالتنمية ، على الرغم من أن هجرة الأدمغة تتجاوز المستوى الأمثل في معظم البلدان الفقيرة. لذا ، يجب على صانعي السياسات، في البداية، تحديد مستوى الهجرة وتكوينها من بلادهم  ومعرفة ما إذا كانت الهجرة مضرة أم مفيدة على التوازن. وعلينا أن نتأكد مما إذا كانت حقيقة الغياب الجسدي لشخص ما من مكان ما هي خسارة بالضرورة. وسيتطلب ذلك فحص مؤهلات المثقف وتأثير أنشطته العلمية. إذا نظرنا من وجهة نظر عالمية وعلى مستوى أعلى من التعلم ، فإن عبقرية العلماء والمفكرين سيكون من الممكن مشاركتها مع بقية الدول. إن الاكتشاف في أحد المختبرات مثلا أو أطروحة مهمة حول العلوم السياسية يمكن مشاركتها بشكل واسع، إذا تم تحقيقها في بلد متقدم ذي وسائل اتصال علمية عصرية. لم يجلب مطلع القرن الحادي والعشرين التكنولوجيا فحسب ، بل أيضًا أنماطًا يمكن من خلالها ربط العلماء في جميع أنحاء العالم في أي وقت من الأوقات. إن التواصل السهل ، والسفر السريع ، وزيادة التعاون بين البلدان المتقدمة والنامية أصبحت أكثر شيوعًا بشكل متزايد ونحن بحاجة إلى تطوير طرق يمكن من خلالها للمهنيين الأجانب المساهمة في بلدانهم الأصلية.

كذلك تشكل تحويلات المغتربين المالية الذين يعيشون في الخارج نسبة كبيرة من الإيرادات الأجنبية للعديد من البلدان النامية. في بنغلادش على سبيل المثال ، يتم تلقي ملياري دولار أمريكي من مواطنين بنغلاديشيين هاجروا إلى الخارج ، وهذه التحويلات هي ثاني أكبر مصدر للإيرادات الأجنبية. وإدارة عائدات التحويلات من العوامل التي يمكن استغلالها في عملية هجرة الأدمغة. وقد يسمح إضفاء الطابع الرسمي على تحويل الأموال بتوليد إيرادات يمكن استثمارها على الصعيد الوطني في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلد النامي.

إذا كان من الممكن استثمار نسبة صغيرة فقط من المبالغ التي تقدر بملايين الدولارات التي أرسلها المهاجرون إلى بلادهم في البحث والتطوير، فيمكن أن تتحسن الفرص للمواطنين ذوي المهارات العالية والمتعلمين في الوطن. ويمكن للتحويلات المالية من قبل المهاجرين ذوي المهارات العالية تجديد مخزون رأس المال البشري الذي قد يكون قد استنفد في الوطن بسبب هجرة الأدمغة.

أن العلماء الذين هاجروا لعدة أسباب هم أصول قابلة للاسترداد ويمكنهم لعب دور بارز في تطوير الفرص في اوطانهم الأصلية. ومع ذلك ، يتطلب هذا الاسترداد فتح قنوات متنوعة ومبتكرة. يجب دعم القطاعات المهمة في العالم النامي للحفاظ على الموظفين الماهرين. فقط عندما يكون لدى العلماء كادرهم ، والأدوات التي يحتاجونها للقيام بعملهم ، وفرص التدريب ، وشبكة من الزملاء الداعمين ، والاعتراف بالعمل الصعب الذي يقومون به ، سيشعروا بالحافز للعودة إلى ديارهم. في نهاية المطاف ، فإن إشراك الأفراد الذين يعيشون في الخارج في خلق فرص ستساعد على الاحتفاظ بالمواهب الوطنية وإعادتها إلى الوطن. إن بناء قيادة مستنيرة ومجتمع علمي وطني تمكيني، بمساعدة المواطنين المغتربين، من أجل التنمية المتماسكة للقدرات العلمية والتكنولوجية في البلدان النامية سيكون بلا شك مفيدًا للطرفين.

يمكمن أيضا للحكومات في بعض البلدان النامية القيام بسياسات تشجيع لجذب المثقفين إلى أوطانهم. تشمل التدابير كلا من المقاربات النفسية والعضوية، مثلا توزيع المطبوعات بين العلماء الوطنيين خارج البلاد أو يتم توفير الآليات لوضعهم في الوظائف المناسبة عند عودتهم إلى ديارهم  أو توفير السكن والحوافز المالية العالية، إلخ. من ناحية أخرى ، يمكن أن تساعد بعض المؤسسات في البلدان المتقدمة على تثبيط الباحث الأجنبي للبقاء في البلد المضيف عن طريق ، على سبيل المثال ، إلزام الطلاب على برامج التبادل بعدم التماس إذن الإقامة في نهاية دراستهم.

وعندما يُنظر إلى التعليم على أنه جواز سفر للهجرة ، فإن هذا من شأنه أن يخلق حوافز إضافية لإقبال الناس على التعليم. ولكن إذا كان الشباب غير متأكدين من فرصهم للهجرة في المستقبل عندما يتخذون قرارات التعليم ، يمكن تحويل ذلك إلى مكسب للوطن في ظل ظروف معينة. ويمكن للمهاجرين ذوي المهارات العالية تقليل تكاليف المعاملات بين البلدان وبالتالي تسهيل التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا بين البلدان المضيفة والبلدان الأصلية. يمكن أن يكون هناك أيضًا عوامل خارجية للمغتربين من أجل الجودة المؤسسية وتعزيز الديمقراطية في الوطن الأم.

بالإضافة إلى ما تقدم، تعد العودة أو الهجرة التدويرية (العودة المتكررة) طريقًا واعدًا للسماح للبلدان المضيفة والبلدان الأصلية بتقاسم فوائد تنقل العمالة عالية المهارة. في البلدان النامية ، تزيد إمكانية الهجرة المؤقتة من العائدات إلى التعليم ولها نفس التأثيرات على تكوين رأس المال البشري مثل الهجرة الدائمة غير المؤكدة. إن المعرفة الإضافية للعائدين ورأس المال المالي المكتسب أثناء وجودهم في الخارج يولد فوائد مهمة ، خاصة بالنسبة لاعتماد التكنولوجيا وريادة الأعمال الإنتاجية. وبذلك تتشكل روابط  من خلال زيارات العمل أو الإقامات القصيرة الأمد التي تعزز التفاعل بين بلدان المهاجرين والبلدان المضيفة.

في النهاية يمكن أن يكون لنزيف العقول فوائد أيضًا للدول الأصلية. إلى جانب الآثار الإيجابية للتحويلات والهجرة الدائرية ومشاركة المهاجرين ذوي المهارات العالية في شبكات الأعمال والابتكار ونقل التكنولوجيا ، نضع في الاعتبار تأثير احتمالات الهجرة على تكوين رأس المال البشري في بلدان هجرة المغة.

يُشير بحث إلى أن الهجرة المحدودة ذات المهارات العالية يُمكن أن تكون مفيدة للنمو والتنمية، خاصة بالنسبة لعدد محدود من البلدان النامية الكبيرة والمتوسطة الدخل. ولكن بالنسبة للغالبية العظمى من البلدان النامية الفقيرة والصغيرة يشكل هذا الأمر خسارة كبيرة. لقد ساهم مثلا المهندسين الهنود المغتربين والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات في معجزة النمو الهندية لكن بالمقابل هجرة الأدمغة الطبية من بلدان جنوب صحراء أفريقيا كانت ضارة. وهذا يعني أن هجرة الأدمغة تؤدي إلى آثار مفيدة وسلبية على حد سواء.

هل ثمة حلول للحد من الهجرة؟

أن الظروف التي بموجبها تكسب أو تخسر دولة ما عقولها ليست خارجة عن سيطرتها. إذ يعتمد الأمر إلى حد كبير على السياسات التي تتبناها، مثل سياسة التعليم وجودة المؤسسات. تختلف ملاءمة تعديلات السياسات المحلية والتدخلات فوق الوطنية (مثل فرض الضرائب على المهاجرين ، ودعم العودة إلى الوطن ، وتقديم المساعدة التنموية التعويضية) مع اختلاف خصائص البلد مثل حجم السكان ، والموقع ، واللغة. يجب على صناع السياسات قياس تكاليف وفوائد هجرة الأدمغة من أجل تصميم استجابات سياسية مُناسبة. يُمكن أن يكون تأثير هجرة الأدمغة على رفاهية بلد المصدر وتنميته مُفيدًا أو ضارًا. تشير الدلائل إلى أن هناك خاسرين أكثر من الرابحين بين البلدان النامية. يعتمد ما إذا كان مكسب أو خسارة دولة ما على عوامل خاصة بكل بلد ، مثل مستوى الهجرة وتكوينها ، ومستوى التنمية في البلد ، وخصائص مثل حجم السكان ، واللغة ، والموقع الجغرافي. يجب على صناع السياسات قياس تكاليف وفوائد هجرة الأدمغة من أجل تصميم استجابات سياسية مناسبة.

من أجل تحقيق الدورة الفكرية وربط الأدمغة بعملية التنمية، يؤكد المختصون على قيمة التعليم العالي بما يتجاوز رأس المال البشري. كانت النظرة التقليدية لتدفقات المواهب هي اعتبار العمل في المقام الأول رأس المال البشري أو مجموع التعليم والمهارات والخبرة المجسدة في الأفراد. يعمل النموذج الجديد على توسيع العمل كرأس مال اجتماعي أو القدرة الإنتاجية المتجسدة في العلاقات والشبكات التي تربط المنظمات والأفراد. يؤكد المختصون على أن رأس المال الاجتماعي يوفر فوائد أقل ولكن بنفس الأهمية ، مثل تعزيز الثقة والتعاون ، وتبادل المعلومات ، وتحسين الوصول إلى معلومات السوق والابتكارات في التنمية. في اقتصاد السوق العالمي ، يعتبر رأس المال الاجتماعي عبر الوطني ، أو الروابط التي تمتد عبر المسافة الجغرافية والثقافية ، ذات قيمة خاصة.

يجب على الدول الأقل نمواً ألا تمنع سكانها من الدراسة أو العمل في الخارج إذا أرادت الاستفادة من استرداد عقولها ، لأن هذا السلوك سيعزلها عن الاقتصاد العالمي والمهم هو إيجاد طرق لتحويل هجرة الأدمغة إلى دورة يمكن استثمارها والاستفادة منها مجددًا.

تشير الدراسات إلى أن عدة دول مثل الهند ، وكوريا ، وجمهورية الصين الشعبية ، قد تمكنت من تحويل هجرة الأدمغة إلى تجارة رابحة ولذا لا غرابة مثلا أن نجد الطلاب الصينيين منتشرين في جميع دول العالم المُتقدمة لنيل الشهادات من جامعاتها والعودة بها إلى الصين وهذا يعني حصد واستيراد المزيد من الأفكار والخبرة عن طريق العقول المهاجرة لغرض الدراسة وهذا الحال ينطبق على الهند، حيث ازداد عدد الطلاب الهنود الذين يدرسون في الخارج بشكل كبير ، خاصة في الولايات المتحدة. في عام 2015-2016 ، كانت الهند ثاني أكبر مورد للطلاب للولايات المتحدة ، بعد الصين. كان أكثر من مليون محترف من مواليد الهند يعملون في الولايات المتحدة ، معظمهم في تكنولوجيا المعلومات والإدارة والأعمال والتمويل. وعندما بدأ الاقتصاد الهندي في النمو ، ساعدت المبادرات الحكومية مثل إنشاء مجمعات البرمجيات والتكنولوجيا في الهند وموجات سياسات التحرير في تعزيز إعادة الأدمغة المهاجرة. وقد وثقت العديد من الدراسات الدور الهام للعائدين الهنود في بناء صناعة تكنولوجيا المعلومات التي انطلقت منذ التسعينات. عاد الكثير من الولايات المتحدة إلى الهند لبدء مختبرات البحث والتطوير في مجال تكنولوجيا المعلومات ، وتدريب وإدارة المهنيين الهنود على الكفاءة. كما لعب الشتات البشري الكبير ذو المهارة العالية في الهند دورًا نشطًا في إنشاء شبكات رسمية، تُعزز الروابط الفكرية لتسهيل إرشاد متخصصي تكنولوجيا المعلومات الواعدين والشباب والمغتربين الذين تم تطويرهم ليصبحوا شبكة عالمية من المهنيين الهنود الذين حققوا تأثيرًا كبيرًا.

وفي عالم اليوم الذي يتسم بحيوية وحركة عمل أكبر، تتمتع البلدان النامية بفرص أكبر لربط نفسها بأكثر البلدان تقدمًا اقتصاديًا لنقل المعرفة والخبرات. يمكن للحكومات تصميم سياسات تهدف بشكل خاص إلى جذب المهنيين المهاجرين ذوي المهارات العالية. تعطي سياسات العودة الدائمة الأولوية لعملية تدوير العقول، بينما تركز سياسات العودة المؤقتة ومُشاركة المغتربين على تعزيز الروابط الفكرية.  بالتأكيد ، هناك خطر ناجم عن هجرة الأدمغة بالنسبة للدول النامية عندما تسافر مواهبها إلى الخارج ومع ذلك ، على البلدان النامية ألا تخشى فقدان مواهبها دائماً. غالبًا ما تفتقر الدول الأقل نموًا ليس فقط إلى رأس المال البشري ، ولكنها تفتقر أيضًا إلى الروابط مع مركز النشاط الاقتصادي العالمي. وذلك فأن السؤال الأساسي الذي يواجه البلدان النامية هو كيفية تحويل هجرة الأدمغة المحتملة إلى عملية رابحة والاستفادة منها مجدداً.

يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء برامج عودة دائمة أو مؤقتة ، إلى جانب حوافز مالية وغيرها، لجذب المواطن المغترب أو من خلال سياسات مشاركة الشتات ، خاصة في سياق عالمي لزيادة حركة المهارات.

من المهم أيضاً بالنسبة للبلدان النامية أن تواصل الاستثمار في التعليم العالي لتنمية رأس المال البشري والاجتماعي من أجل تحقيق النهضة الوطنية. يمكن أن تستفيد البلدان النامية من صياغة برنامج في قطاع التعليم العالي أو القطاعات الأخرى المصممة لتعظيم تكوين رأس المال الاجتماعي ، وكذلك تنمية الموارد البشرية لا سيما المواهب. كما أن هجرة الأدمغة في اقتصاد السوق العالمي يخلق بالفعل فرصة لتحقيق دورة العقول. أولاً ، إن هجرة المهنيين ذوي المهارات العالية من البلدان النامية تعزز الفرص لتشكيل رأس المال الاجتماعي فوق الوطني الذي يربط أعضاء البلدان المختلفة ويساهم في نقل المعرفة من البلدان المتقدمة “تبادل المعرفة”. ثانيًا ، يساعد في إقامة روابط مع مركز التنمية ويعزز الاندماج في سلاسل القيمة العالمية مع فوائد مثل زيادة التجارة وتدفقات رأس المال ونقل التكنولوجيا. مع هذه الفوائد، يمكن للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المهنيين ذوي المهارات العالية أن تخلق وضعًا مربحًا لكل من البلدان الأصلية والمضيفة.

من وجهة نظر البلدان النامية ، يمكن اعتبار هذه الظاهرة مشكلة، على الرغم من ضرورة الاحتفاظ بأبعادها الحقيقية. تريد هذه الدول من المؤهلين الذين يذهبون للدراسة والتخصص في الخارج العودة والمساعدة في تطوير البلاد ولكن للأسف يتم خذلانهم وتهميشهم بعد ذلك، بسبب عدم وجود إمكانيات وحوافز حقيقية ،فمن ناحية، يكتسب المبتعثون مهارات كبيرة لا تتوفر في بلدانهم ومن ناحية أخرى، لا يمكنهم تطبيق هذه المهارات في أوطانهم بسبب الفساد السياسي وضعف الإمكانيات. من هذا المنطلق، تحتاج هذه المشكلة تدخلاً حاسماً وتدابير إدارية وقانونية لإعادة المفكرين المهاجرين إلى الوطن. إن الوسيلة الحقيقية لتحقيق ذلك هي تهيئة الظروف التي تشجع المثقفين المتعلمين على العودة مثل توفير الإمكانيات العلمية ، والأنظمة السياسية والاجتماعية المحفزة.

وفيما يتعلق بالمهاجرين العرب يقول الأكاديمي والباحث السياسي المصري  الدكتور عبد السلام علي نوير في حوار خاص مع swissinfo.ch : “الواجب، يقتضي أن تقوم الجامعة العربية بدراسة مكثّـفة عن واقع العقول العربية المهاجِـرة وعن واقع الهجرة القائمة حالياً، والتي تستنزف أعدادًا هائلة من الأكفاء وشحذ روح الحس الوطني لديهم، بدلاً من نِـسيانهم، وذلك يتمثّـل بتشجيع إقامة تجمّـعات واتِّـحادات وأندية تجمعهم، وتُـتيح لهم فرص التعرّف على بعضهم البعض، ناهيك عن أن مثل تلك الاتحادات تُـمكِّـن المتخصصين في الوطن العربي الاتصال بهم والتعاون معهم، كل في مجال تخصصه”. ويضيف :”أعتقد أن توطين التقنية ونقل المعرفة من الدول المتقدمة صناعيا، مثل أمريكا واليابان وجنوب شرق آسيا وأوروبا، يحتاج إلى قناة اتصال أساسها العنصر البشري، لذلك، فإن وجود عقول عربية ذات خِـبرات وكفاءات متميِّـزة في الدول المتقدِّمة، يساعد في الإسراع في عملية النقل، وخير شاهد على مثل هذا التوجّـه، استفادة كل من الهند من علمائها المهاجرين، وكذلك الصين”.

ويردف الدكتور نوير : “وأعتقد أن أية دولة عربية تنشُـد الاستفادة من العقول العربية المهاجرة أو تنشد نقل وتوطين التقنية بصورة عامة عليها، أن تُـعدّ العِـدّة وتكون جاهزة لذلك من خلال المؤسسات الجامعية ومراكز البحث العلمي والتطوير داخلها وخارجها، ناهيك عن الجهات المعوّل عليها في نقل المعرفة العلمية والتكنولوجية وتوطينها، لذلك، فإنها مَـنوطة بتبنّـي نظام مبْـني على التعليم والتدريب والبحث، ذلك أن تلك الأساليب هي الأكثر ملاءمة للتّـحديث على المدى القصير والبعيد”.

أن تقويض الهجرة يحتاج إلى إصلاح النظم التعليمية والسياسية والتوسع الاقتصادي المحكم في مرافق الدراسة والبحث. ومن الواضح أن أوجه القصور الأخرى في السياسة الاقتصادية لدولنا تساهم أيضًا في هجرة الدارسين المؤهلين، مثل العوائق الدائمة أمام تكوين رأس المال المحلي. وفي هذا الصدد ، لا غنى عن التعديل الهيكلي والإصلاحات الجذرية لتحسين عمل آلة الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية. علاوة على ذلك ، فإن كل جهد لتعزيز التسوية السلمية للصراعات في البلدان المعنية، سيقلل بلا شك من ميل مواطني هذه الدول إلى الهجرة.

يُشير تقرير التنمية العالمية لعام 1995،إلى أنه بعد تحرير سياسة التصنيع في الهند،عاد المتخصصون الهنود إلى ديارهم من الولايات المتحدة للعمل في مراكز صناعات الأجهزة والبرمجيات. ولا يمكن إنكار أن مثل هذه الإصلاحات الهيكلية ، خاصة في الدول الفقيرة ، لن تنجح إلا إذا زادت الدول الصناعية جهودها في مجالات التعاون الإنمائي والسياسة التجارية.

صحيح أن الدول الصناعية ليست مسؤولة فقط عن الهجرة الفكرية، ولكن يجب أن تفعل كل ما هو ممكن لتحسين جاذبية دول النامية لمواطنيها المؤهلين ، بما في ذلك تعزيز البرامج لإعادة إدماج العمال المؤهلين في بلدانهم الأصلية.

ومن أجل عدم التفريط بالعقول المبدعة، ينبغي وضع نموذج تنمية جديد يتمحور حول الاستثمار في الشباب للعقود المقبلة لأنهم يمثلون أمل الحاضر والمستقبل وهذا يتطلب جهد وتدخلات سياسية واقتصادية حاسمة وموجهة، تُستمد من فهم مشترك لضرورة الحفاظ على العدالة الاجتماعية والمساواة في فرص العمل. كما أن تمكين الشباب يحتاج إلى بيئة وطنية مُناسبة مواتية للسلام والأمن والحرية ، فالنزاع المسلح أحد أخطر التحديات التي تواجه غالبية الشباب اليوم في المنطقة العربية. ثمة حاجة إلى أدوات جديدة لتشجيع المشاركة الفعالة للشباب المؤهلين في جميع جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتعزيز آفاق التغيير الاجتماعي السلمي والشامل في المنطقة وبالتأكيد هذا التوجه سيساعد على تقليص هجرة الأدمغة وتجفيف منابعها ومخاطرها.

أن بقاء الكفاءات في موطنها مرتبط أولا بالاستقرار السياسي والأمني وثانيًا بتوفير البلدان فرص تعليم وتدريب على مستوى عالمي لمواطنيها ، بالإضافة إلى فرص للتقدم الوظيفي والعمالة والرفاه المادي، والوصول إلى الفعاليات الثقافية ، والتنظيم الفعال للمجتمع، وإمكانيات حقيقية لاستخدام الأدوات والمختبرات والأجهزة الحديثة والتطور العلمي والقدرة التكنولوجية والابتكارية سواء للاحتفاظ أو لاستعادة رأس المال البشري ووجود بنى تحتية متطورة، جميع هذه العناصر، تحد من الهجرة إلى الخارج.

في الختام يمكن القول أن هناك ضرورة لمراجعة الأسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكامنة وراء الهجرة الجماعية للموارد البشرية وتشخيصها بدقة أكبر رغم أن أسبابها سياسية على الأغلب، وبعد ذلك توفير الأمن والفرص للكفاءات واستغلالها لتحقيق التطوير محليًا. وأصبح لزامًا على الدول التي تعاني من نزوح العقول، مراجعة الأوضاع الداخلية وتصحيحها، بما يضمن بقاء الطاقات البشرية، وفي الوقت ذاته تطوير نوع من الاتصال من قبل المواطنين المغتربين الذين يمكنهم المساهمة بمعارفهم ومهاراتهم في مساعدة ونهضة بلدانهم الأصلية.

مصادر تمت الاستعانة بها:

https://wol.iza.org/articles/brain-drain-from-developing-countries/long

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *