من الأمور المهمة التي ينبغي اخذها بعين الإعتبار هي ان الحسين عليه السلام اليوم اصبح انتصاراً لا يحتمل الهزيمة بعد ان كان بالأمس انتصاراً من الممكن إحتمال هزيمته وعلى ذلك عملت القوة في المعسكر المعادي بكل جهدها لمنع الوعي الذي أراده الحسين في نهضته من أن يصل الى الناس وينتشر بينهم ، لأنها كانت نهضة شاملة لتصحيح الأخطاء من ظلم السلطة ومن تشويه فكري ومن تحريف عقائدي ومن تلويث أخلاقي ويؤكد ذلك قوله عليه السلام ( انما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) بعد أن تأكد للجميع فسق يزيد وذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته، بهذا فإن مفهوم النهضة أشمل من مفهوم الثورة وإن كان بعضهم يستخدم إصطلاح الثورة عندما يتحدث عن حركة الحسين عليه السلام لكني أرى إن في إصطلاح النهضة مدى أوسع من الذي يحققه مفهوم الثورة، فقد يشتمل مفهوم الثورة على تغيير نظام حكم معين أو تغيير اسلوب معين أو تغيير سياسة معينة وفي فصول حياة مجتمعنا مشاهد كثيرة لثورات حصلت لكنها لم تصل الى ما وصلت اليه نهضة الحسين عليه السلام من نتائج، ولا اظنني ابتعد عن الصواب اذا قلت إن أغلب الثورات في العالم العربي والإسلامي قد فشلت أو انها حكمت على نفسها بالفشل بعد وصولها الى السلطة بسبب إعتماد القائمين عليها على طريقة التفكير القديمة التي ثاروا بها على السلطة، فكانت ثورتهم عبارة عن تغيير في الوجوه والمناصب لذا اعتقد ان صناعة الوعي ستتيح المجال لإعادة تفعيل البعد الثقافي كخطوة سابقة اساسية وكقاعدة تقوم عليها ثنائية التغيير في السياسة والاقتصاد لكي لا تضمن السلطة بقاءها على الرغم من وجود المعارضين والرافضين والساخطين .
مفهوم السلطة اليوم لم يعد كما هو بالأمس فقد كان الحاكم والخليفة يمثل الدين والسياسة كونه خليفة الله في الارض فكانت السلطة تمثل التفكير والتقرير وعندما صدر من حكومة يزيد ما يقبح وجه الدين والسياسة ويصادر كل فكرة خارج مصانعها اقتضت المرحلة مواجهتها منعا للتلوث والتشويش الذي يمكن أن يطال المجتمع بسبب ذلك الإنحراف خصوصا وان ذلك حصل بعد وقت قصير على وفاة نبي الأمة بحوالي خمسين سنة، اما سلطة اليوم فلم تعد تمثل الدين وصارت تعنى بالسياسة والإدارة، فهي توفر الحماية لزائري الإمام الحسين وتحمي مواكب العزاء وتقيم مجلس عزاء يوم العاشر من محرم ومع ذلك لا يزال الناس يعيشون الظلم ويتطلعون الى نهضة حسينية معاصرة، وحول العالم صار بمقدور الشيعة ممارسة طقوسهم في العلن وبحماية السلطة فقد ظهرت مسيرات العزاء ومواكب الحزن في شوارع اوربا بحماية اجهزة أمن الدولة، مثلما يجري اليوم إهانة المقدسات بحماية أمن الدولة كما حصل في السويد مؤخراً حين أقدم أحدهم على حرق القران الكربم وبررت السلطات انه عمل يندرج ضمن حرية الرأي والتعبير التي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19 التي تعطي الإنسان حق الرأي وإبداء الرأي والتعبير والنشر والإعلام بكل الوسائل دون قيود، مثلما بررت سلطات الدانمارك والسلطات الفرنسية قبل سنين تلك الرسوم الكريكاتيرية المسيئة لشخص نبي الرحمة ..
لا اظنني ابتعد عن الصواب اذا قلت ان المراقب لمشهد الحياة في المجتمع العراقي خصوصا والعالمي اجمع طيلة اكثر من عقدين من الزمن منذ بداية القرن الحادي والعشرين سيلحظ ان هناك مشاريع تحول دون توفر شروط ثقافية ودينية وسياسية واقتصادية امنة، وهذا ما يحفز فينا المضي في مشروع صناعة الوعي في المجتمع لاعادة توفير هذه الشروط الامنة .


