حرب العيون في إيران: صراع الاستخبارات بين الحرس الثوري والوزارة

حرب العيون في إيران: صراع الاستخبارات بين الحرس الثوري والوزارة
الصراع بين استخبارات الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات أنتج جهازين متنافسين يفتقران للتكامل، ما أدى إلى ضعف أمني، تعدد الولاءات، وتحوّل الحرس إلى قوة فوق الدولة، تسيطر على الأمن والاقتصاد بلا رقابة حقيقية...

البداية المزدوجة للجهازين

في إيران ما بعد الثورة الإسلامية 1979، أنشأ النظام جهازاً رسمياً لجمع وتحليل المعلومات أُطلق عليه اسم “وزارة الاستخبارات والأمن الوطني” (اختصاراً: الاطلاعات)؛ مهمته كانت واضحة: حماية النظام، ومراقبة المعارضين، ومتابعة ملفات الأمن الداخلي والخارجي.

لكن بمرور الوقت، وتحديداً بعد الحرب مع العراق، برز لاعب أمني موازٍ وخطير هو: جهاز “استخبارات الحرس الثوري”، الذي وُلد من رحم “الحرس” ذاته، وبصلاحيات مرنة وغير خاضعة للمحاسبة.

بينما بقيت وزارة الاستخبارات تُدار كبنية بيروقراطية مركزية، اكتسب جهاز الحرس طابعاً ثورياً وميدانياً، يتلقى أوامره مباشرة من مكتب المرشد الأعلى؛ منذ ذلك الحين، بدأ التنافس بين الجهازين على النفوذ، وتوزّعت الولاءات بين من يرى في “الوزارة” عقل الدولة، ومن يعتبر “الحرس” درع الثورة.

هذا الازدواج لم يكن صدفة، بل جزء من سياسة “توازن الصراع داخل الدولة” التي يتبعها السيد علي خامنئي لضمان ولاء الجميع.

ما بعد 2009: كسر العمود الفقري للاطلاعات

شهدت إيران في عام 2009 واحدة من أخطر أزماتها السياسية، بعد احتجاجات الحركة الخضراء ضد تزوير الانتخابات الرئاسية؛ و في خضم القمع، اتُهمت “وزارة الاستخبارات” بالتراخي، بل وبتسرّب تعاطف بعض عناصرها مع التيار الإصلاحي، هنا استغل “الحرس الثوري” الموقف لتوسيع نفوذه الأمني.

بقرار غير معلن من المرشد السيد علي خامنئي، أُنشئ جهاز استخباراتي جديد داخل الحرس الثوري، يتمتع باستقلالية مطلقة عن وزارة الاستخبارات.

وسرعان ما أصبح هذا الجهاز مسؤولاً عن ملفات حساسة: من متابعة الناشطين إلى عمليات الخارج والاغتيالات المعقدة.

بالتدريج، بدأت صلاحيات الوزارة تتآكل، وحُصرت مهامها في “العمل الإداري” أو “الأمني الداخلي منخفض المخاطر”، أما العمليات الكبرى، كالسيطرة على الإعلام، اختراق المعارضة بالخارج، أو التصدي للاختراقات الإسرائيلية، فأصبحت حكراً على الحرس.

وفقاً لتحليل موقع Insight Turkey، فإن ما جرى بعد 2009 لم يكن مجرد توسّع، بل “إعادة توزيع للسلطة الأمنية” داخل النظام، لصالح الحرس وحده.

الرؤوس المتصارعة: صمتٌ في العلن، حربٌ في الخفاء

على السطح تبدو أجهزة الأمن الإيرانية موحدة تحت قيادة المرشد، لكن خلف الكواليس، تدور حرب خفية بين رجال الظل: قيادات جهاز استخبارات الحرس الثوري وقيادات وزارة الاستخبارات (اطلاعات).

الوزارة تُدار عادة من شخصيات مدنية أو تكنوقراطية، ترتبط بالحكومة ورئيس الجمهورية، ويجري تداول أسمائها علناً، أما استخبارات الحرس فهي جهاز مغلق يتحرك بسرية تامة، ويأخذ أوامره من “بيت القائد” دون المرور بأي تسلسل رسمي.

بعض الحوادث فضحت هذا التوتر، كأن يُعتقل ناشط سياسي من قبل الحرس، ثم تطالب الوزارة بإطلاق سراحه، لكن من دون جدوى.. أو تُعلن الوزارة نجاحها بكشف شبكة تجسس، لتُسرب بعدها جهات الحرس أن العملية تعود لهم!

في إحدى الحالات وُجهت اتهامات علنية بالتقصير لأحد وزراء الاستخبارات، بينما تغاضى الجميع عن إخفاق الحرس في منع سلسلة اغتيالات غامضة داخل إيران.

الأمر لم يكن صراع اختصاص فقط، بل صراع مكانة ونفوذ وصلاحيات داخل منظومة لا تسمح بتعدد الزعامات الأمنية.

الاقتصاد الموازي والتجسس الموازي

الصراع بين استخبارات الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات لم يقتصر على الأمن والمعلومات، بل تمدّد إلى المال والنفوذ الاقتصادي.. فقد تحوّل جهاز الحرس عبر استخباراته، إلى شبكة اقتصادية متكاملة تسيطر على العقود والمشاريع والتهريب وواجهات تجارية داخل إيران وخارجها.

في المقابل وجدت وزارة الاستخبارات نفسها محاصرة، لا تملك سوى أدوات قانونية محدودة، فيما يملك الحرس مزيجاً من القوة العسكرية والاستخبارية والمالية يتيح له فرض مشاريعه، والتغطية على عملياته، واحتكار الملفات الأمنية الحساسة.

كما أن الحرس بنى خلال سنوات شبكة تجسس موازية خاصة به داخل الجامعات والمؤسسات، وحتى بين النخب الدينية، بينما اضطرت الوزارة إلى الاعتماد على أدوات تقليدية أكثر، ضمن قوانين بيروقراطية لا تطبق على منافسيها.

باختصار.. لم تعد الدولة الإيرانية تملك “جهاز استخبارات”، بل أصبحت ساحة لأجهزة متداخلة، أحدها تابع للسلطة الرسمية، والآخر يتبع سلطة الظل.. وينتصر دائماً.

النتائج: دولة العيون المتعددة… وسلطة بلا رقابة

في المحصلة أنتج التنافس بين استخبارات الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات نموذجا أمنيا مزدوجا، لكنه غير متكامل.

جهازان يتجسسان على بعضهما أحيانا، ويتنازعان الصلاحيات، ويتنافسان على كسب رضا المرشد الأعلى، في وقت تفشل فيه الدولة في منع تسلل الموساد، أو وقف تدهور الوضع الداخلي.

وزارة الاستخبارات فقدت بريقها، وأصبحت أقرب إلى “مكتب تقارير”، بينما جهاز الحرس الثوري تحول إلى مركز ثقل أمني – عسكري – سياسي – اقتصادي، يقود المشهد دون رقابة ولا محاسبة.

النتيجة:

1- دولة بلا جهاز استخبارات موحد.

2- اختراقات أمنية متكررة واغتيالات داخل قلب إيران.

3-  نظام يتغذى على التنافس الداخلي بدل الانسجام المؤسسي.

4- وشعب يخضع لرقابة مزدوجة: من وزارة تكتب التقارير، وجهاز يملك السلاح والمال والقرار.

وهكذا، تحول الأمن القومي الإيراني إلى ملكية خاصة بيد الحرس الثوري، بينما بقيت الوزارة كهيكل إداري يفتقر إلى القرار والهيبة.

 المصادر المستخدمة في الحلقات الخمس:

  1. معهد رصانة للدراسات الاستراتيجية – كتاب: دوائر الأمن والاستخبارات الإيرانية (2023)
  2. موقع رصيف22 – تقرير: الجنود المجهولون لإمام الزمان (2022)
  3. Insight Turkey – دراسة: Iran’s Intelligence Apparatus from Past to Present (2021)
  4. Al-Monitor – مقال: Iran’s Dual Intelligence Structure (2020)
  5. صحيفة الاستقلال – تقرير: صراع الأجهزة الأمنية الإيرانية وتنافس الولاء (2022)
  6. Independent عربية – مقال: حرب النفوذ داخل أجهزة استخبارات إيران (2019)
  7. موقع العين الإخبارية – ملف خاص عن الحرس الثوري ونفوذه الاستخباري (2020)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *